مقالات خاصة

خيارات “حزب الله” تواجه الحائط المسدود

"العنف الشعبي" بديلاً عن انقلاب 7 أيار والحريري وباسيل لا يملكان القدرة على التشكيل

أحمد الأيوبي

تنتظر الطبقةُ السياسية كلمة الأمين العام لـ”حزب الله” حسن نصرالله يوم الثلاثاء لتحديد مسار واتجاه تشكيل الحكومة في ضوء ما سيدلي به من مواقف. لكنّ قيادة الحزب استبقت الإطلالة المنتظرة برسائل إلى جميع المعنيين بضروروة حسم الموقف والتوصل إلى صيغة حكومية تتلاءم مع “متطلبات المقاومة” وتستجيب للسياسات التي سيعتمدها الحزب مع الوصول الفعلي إلى الانهيار، وظهور التصدعات في الواقع الاجتماعي والمعيشي في البيئة الشيعية “الحاضنة”.

الحريري وجبران يتصارعان على المماطلة

يدرك “حزب الله” أنّ طرفي المعادلة لا يريدان التوصل إلى حلول تسمح بتشكيل الحكومة، فهما يعانيان أوضاعاً تجعلهما أمام خيارات شبه مستحيلة. فالرئيس سعد الحريري يعلم أنّه إذا شكّل حكومة في ظل الوضع الراهن، فلن تستطيع إنجاز شيء، كما أن وجوده على رأس حكومة عاجزة تتحمل الضغوط بسبب الانهيار سيشكل عائقاً وصعوبات في وجه خوضه الانتخابات النيابية، وأنّه إذا بقي رئيساً مكلفاً، فإنّه سيبقى في صدارة المشهد السياسي، وسيبقى حاجة للأفرقاء على اعتبار أنّه ممثل السنة من خلال كتلته النيابية.

أما النائب جبران باسيل، المتحكم بالقرار في قصر بعبدا، فلم يعد لديه شيء يتمسك به إلاّ توقيع رئيس الجمهورية ليبقى حاضراً في الميدان السياسي، وتشكيل حكومة مستقلة لا تفيده بشيء، لذلك تناسبه حالة المراوحة.

لماذا يريد “حزب الله” الحكومة؟

وجد “حزب الله” أنّ المفاوضات الإيرانية الأميركية طويلة وأنّ الازمة الاقتصادية والاجتماعية تتفاقم وبدأت تهدّد استقرار البيئة الشيعية، لهذا يحتاج الحزب حكومةً يرمي المسؤولية عليها في الاستحقاقات المعيشية الصعبة، فلم تعد هناك جدوى من ربط تشكيل الحكومة اللبنانية بمجريات التفاوض بين واشنطن وطهران.
داخلياً، يتحرّك العامل الداخلي المتأزِّم في البيئة الشيعية بعد سقوط وفشل محاولات “حزب الله” الحلول محلّ الدولة في معالجة الانهيار المتمادي.

وصلت الأوضاع المتفاقمة في البيئة الشيعية إلى وضع حسّاس ودقيق، بعد فشل حملات التسويق للسياسات التموينية لـ”حزب الله”، وانكشاف عدم جدواها لدى الجمهور الشيعي، بحيث بات واضحاً أنّ المساعدات باتت عنصر نفور لا عنصر استقطاب، مع انسداد الأفق وتراجع قدرة الحزب على تغطية حاجات الناس الكبيرة والمتعاظمة، غذائياً وصحياً وتربوياً، وما زاد الطين بِلّةً، لجوء شرائح متزايدة من الشباب للحبوب المخدرة حتى باتت تهدّد بالانفلات الاجتماعي، نظراً لتفاقم حجم المشاكل اليومية التي يعيشها الناس.
من المفارقات التي تفرض نفسها على الساحة الشيعية إعلان نصرالله في آخر كلمة له بمناسبة “يوم التحرير” أن حزبه “في أحسن حال ولم يمرّ عليه يوم كان قوياً كما هو الآن كماً وكيفاً ونوعاً وجهوزيةً واستعداداً”، مشدّداً على أنّ “المقاومة تستند إلى بيئتها الحاضنة التي فشلوا عن المسّ بها”. وهنا يبدأ افتراق المعايير. فالحزب بلغ ذروة قوّته في التسليح والتجهيز، لكنّ المفارقة أنّه كلّما ارتفع منسوب هذه الجهوزية، انخفض مستوى معيشة البيئة الحاضنة بشكلٍ قياسيّ، وهنا تكمن المعضلة الحقيقية التي تواجه نصرالله.

لماذا لا يلجأ الحزب وعون إلى استبدال الحريري بإسقاط تشكيلته في البرلمان؟

من المستغرب أن لا يلجأ تحالف “حزب الله” – عون إلى الطريق الدستوري الواضح في إسقاط التكليف النيابي للرئيس الحريري بتشكيل الحكومة، من خلال توقيع رئيس الجمهورية على مرسوم التشكيلة التي سقدمها الحريري ثم يجري إسقاطها عبر حجب الثقة عنها في مجلس النواب، ويجري تكليف شخصية تتلاءم مع توجهات الحزب وعون.

هنا تكمن “قطبة مخفية” عن استبعاد هذا الخيار، قد يكون حلها في أن طرفا التحالف الحاكم لا يريدان الاحتكام إلى الدستور، ويسعيان إلى تكريس أمر واقع جديد في تشكيل الحكومات، عن طريق الأمر الواقع بالتعطيل والابتزاز، كما سبق أن وصل عون إلى رئاسة الجمهورية وكما توقف تشكيل الحكومات “كرمال عيون الصهر”.

خيارات “حزب الله”: العنف الشعبي.. ثم ماذا؟

بعكس إيحاءات القوة العسكرية وإمكانية استخدامها في الداخل، يدرك “حزب الله” أنّه يستحيل عليه القيام بانقلاب عسكري يحتلّ من خلاله بيروت، لأنّه سيتحول قوة احتلال معلنة مع ما يعنيه ذلك من تداعيات.

لكنّ ثمة من يسرب بأنّ الحزب سيستعيض عن الانقلاب العسكري بالعنف الشعبي الواسع النطاق، من خلال دفع جمهوره إلى الشارع بالآلاف، وتهديد المقرات الحكومية ومراكز القيادات السياسية، بهدف الضغط على الأطراف السياسية لتحقيق ما يرد في تشكيل الحكومة.

يرى أصحاب هذه التسريبات أنّ “حزب الله” يريد تشكيل حكومة تأتمر بأمره بشكل كامل، وأنّه يعتمد على خطة الاتجاه شرقاً نحو إيران وروسيا والصين.. لفكّ الحصار عن لبنان والتعويض عمّا يخسره الاقتصاد اللبناني مع تواصل إغلاق الأسواق العربية في وجه المُصدِّرين اللبنانيين.

يتجاهل أصحاب هذا التنظير أنّ سوريا والعراق وإيران نفسها، اتجهت شرقاً، لكنها لم تستطع أن تتفلّت من الحصار، نظراً لحجم التأثير الأميركي في حركة الاقتصاد العالمي، وخاصة ما تتركه العقوبات من تأثير على التبادل التجاري، وبالتالي، فإنّ الرهان على أن يكون لبنان دولة ذات اقتصاد ممانع محكوم بالفشل سلفاً.

دولة القراصنة.. والطريق المسدود

يعمل التحالف الحاكم على صياغة حكم في لبنان خارج الدستور وخارج المنظومة الدولية، لنصبح أشبه بـ”دولة القراصنة”. فبعد تهشيم القضاء وشلّ مؤسسات الحكم، يريد “حزب الله” التخلّص من ضوابط الدستور في إدارة الحياة السياسية، وفرط المؤسسات الناظمة لحياة اللبنانيين، وإبقاء بعض هياكل الحكم لإدارة الهيمنة والسيطرة الحزبية على ما تبقى من الدولة.

لكنّ كلّ هذه الدورات والتلاعب لن يجدي نفعاً. فالحقيقة أن مشروع الانقلاب على الدولة الذي قاده “حزب الله” منذ عقود طويلة قد أفلس وحان وقت الحقيقة والحساب: فالحزب لا يصلح للحكم ولا يُؤتمن على الوطن ولا يملك الكفاءة للسياسة وهو أشبه بالقرصان في الاقتصاد، لا يعرف غير وسائل التهريب والتخفّي وسيلة للحصول على التمويل.

إذا قرّر “حزب الله” اجتياح بيروت بـ”العنف الشعبي”، أو بالزحف البشري، فإنّ ذلك لن يغيِّر في الأمر شيئاً. ولا بُدّ من الرجوع إلى قواعد عمل الدولة والدستور والقانون، ولو بعد حين.

الوسوم

أحمد الأيوبي

إعلامي لبناني وكاتب سياسي في عدة مواقع مختص بشؤون الحركات الإسلامية وقضايا الإرهاب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق