مقالات خاصة

فيصل كرامي.. دعِ الرشيد يستريح

أحمد الأيوبي

شكّل اغتيالُ الرئيسِ الشهيد رشيد كرامي قضيةً إشكاليةً اختلطت فيها الحقائقُ المُغَيّبة بالملفات المصطنعة، وسيطرت عليها عملياتُ الدعاية السياسية، من النظام الأمني السوري اللبناني، ثم من منظومة الممانعة، مما أفقدها الزّخم وأبعدها عن مقاربة العدالة بالشكل الفعال، كما أصبح هذا الاغتيال، الذي لا يمكن فصله عن اغتيال بقية القيادات السنية والوطنية، محطة لإطلاق المواقف الموسمية، وسط تجاهل كامل لقواعد البحث عن العدالة ولمنطق المصالحة والسلم الأهلي بعد اتفاق الطائف.

خطابٌ مكرّر

في الذكرى الحادية والثلاثين لاغتيال الرئيس الشهيد رشيد كرامي قال النائب فيصل كرامي:”أجدد القول اليوم، بأننا لن ننسى ولن نسامح، وكل ما حصل باطل، والملف القضائي لا يكون حله الا في القضاء، والبراءة لا تؤخذ بقرار سياسي بل عبر القضاء وعبر قرائن البراءة، علماً أنّ الحكم الذي أصدره المجلس العدلي غير قابل للمراجعة او الاستئناف. ومع ذلك، أوكد ان مشكلتنا ليست مع فئة من فئات المجتمع اللبناني، وليست مع حزب، بل هي مع شخص واحد يدعى سمير جعجع”.

الطعن في عفو مجلس النواب: ماذا عن عفو رئيس الجمهورية؟

يُصِرّ النائب فيصل كرامي على تكرار هذه المقولة بصِيَغٍ مختلفة حسب الظروف السياسية المحيطة، وحسب مستلزمات المرحلة، رفعاً للسقوف أو خفضاً للمواقف، محاولاً الإيحاء بأنّ قانون العفو غير قانوني، وهذا بحدّ ذاته تناقض ومخالف لمنطق التشريع، فكيف يُعقل أن يقوم مجلس النواب، وهو أمّ المؤسسات، بإقرار عفوٍ مخالف للقانون، وأيهما يعلو الآخر، مجلس النواب أو القضاء، وعلى سبيل التقريب: هل إصدار رئيس الجمهورية قرارات بالعفو الخاص على محكومين من القضاء، يعتبر غير قانوني. إذا كان الأمر كذلك، فيجب إعادة النظر بكل قرارات العفو الصادرة عن رئاسة الجمهورية.

هل المطلوب إعادة سجن موقوفي الضنية أيضاً؟!

هذا السياق الذي يقدّمه الأفندي يناقض أيضاً حقيقة أنّ العفو الذي صدر في العام 2005 أنصف الموقوفين في أحداث الضنية، الذين كانوا قد قضوا سبع سنوات في السجن بدون محاكمة ثمّ أنصفهم قانون العفو.. فهل المطلوب إعادتهم إلى السجن أيضاً؟!

قانونُ العفو بتوقيع الحلفاء الممانعين

هل يذكر النائب كرامي أنّ مجلس النواب أقرّ قانون العفو عن سمير جعجع بإجماع الحاضرين من دون اعتراض حلفائه الذين اكتفوا بالانسحاب، ولم يكلِّفوا أنفسهم عناء خوض مواجهة سياسية تحت سقف البرلمان. يشمل ذلك نوابَ “حزب الله” وحركة “أمل”، إضافة إلى نائبي الحزب السوري القومي الاجتماعي ونائب حزب البعث، وقد وقّع العفو أيضاً وأيضاً “الرئيسُ المقاوم” آميل لحود، فلماذا لا يُسائِل سليل آل كرامي حلفاءه عن الأسباب التي دفعتهم إلى تمرير قانون إخراج سمير جعجع من السجن؟

ليُحاكَم الجميع

لماذا يستمرّ سخط كرامي وغضبُه على جعجع ويسكت عن “تواطؤ” حلفائه في تمرير العفو، ويسكت عن كون أكثرهم قادة حرب ارتكبوا الجرائم ويستحقون المحاكمة.

إذا أراد كرامي فتح باب محاكمة من خاضوا الحرب، فهل يجرؤ على طلب محاكمة زعماء الحرب من حلفائه الذين قتلوا وقصفوا ودمّروا وهجّروا، أم انّ الأمر انتقائي حسب الهوى والمصلحة الخاصة؟

مفارقاتٌ في التاريخ والسياسة

ألم يلاحظ فيصل كرامي أنّ اغتيال الشهيد الرشيد وقع في العام 1987، وأنّ تفجير سيدة النجاة الذي كان سبب توقيف جعجع، وقع في العام 1994، أي بعد ٧ سنوات من الاغتيال، ولم تتمكن الآلة الأمنية القضائية من إثبات علاقة للقوات اللبنانية بتفجير الكنسية، ليتمّ بعد ذلك فتح ملف الشهيد رشيد كرامي، في توقيتٍ سياسيّ مرتبط بإصرار سمير جعجع على تطبيق الطائف وتنفيذ الانسحاب السوري من لبنان حسب نص الاتفاق.

واليوم. وبعد مرور 16 عاماً على صدور العفو عن موقوفي الضنية وعن سمير جعجع، يعود النائب كرامي لمهاجمة تعديل مجلس النواب لقانون العفو، مما يدفع إلى سؤاله عن السبب في عدم الطعن في هذا التعديل في حينه وعدم خوض أي مواجهة قانونية، إذا كان يعتقد فعلاً أنّ ما قام به مجلس النواب غير قانوني؟

لماذا لم يطعن أحد في القانون بالطرق الدستورية؟ أم أنّ الأمر يقتصر على خطابٍ موسميّ للقول بأنّ لدى فيصل كرامي شهيداً، ويجب أخذ ذلك في الاعتبار ضمن التركيبة السياسية، كما هو حاصل الآن مع عودة الحديث عن تسليم فيصل أفندي رئاسة حكومة نهاية العهد، أو بالأحرى نهاية الدولة!

خرج السوريون فسقطت منظومتُهم وتحرّر جعجع

في مقاربة التاريخ أيضاً، لا بدّ من التذكير بأنّ جيش الاحتلال السوري خرج في العام 2005 وبخروجه سقطت منظومته الأمنية والقضائية، ومع هذا الخروج تحرّر سمير جعجع من السجن، كترجمة لهذا التحول الذي سقطت معه ذرائع الاعتقال.

سليمان فرنجية: نموذج المصالحة الوطنية

في مشهد آخر يوضح القدرة على تجاوز آثار الحرب والتركيز على مصلحة المجتمع، يمكن استحضار المصالحة التي جمعت النائب السابق سليمان فرنجية والدكتور سمير جعجع، رغم أن المأساة طالت والده وشقيقته، ورغم المسافة الفاصلة الواضحة بين جعجع ووقوع تلك المأساة المؤلمة.. فلماذا استطاع فرنجية أن يضمّد الجرح المسيحي بالتعاون مع “الحكيم”، بينما لا يزال كرامي عالقاً في مساحة محدودة، تخسر كل عام وكل يوم مؤيديها، ليس لعدم أحقية قضية الرشيد، لكن لأنّ من يحملها بعد عمر كرامي لم يستطع أن يحوّلها إلى محطة تلاق وطني وطيٍّ لصفحة الحرب، وهوالذي يعلم أنّه ليس هناك جدوى من هذا النوع من المقاربات، لا في السياسة ولا في  القانون ولا في الشأن الوطني.

القضاء بين سطوة الاحتلال السوري.. وتدخـّلات سلطة السلاح والفساد

لقد سُجن سمير جعجع 11 عاماً، من دون غيره من الذين خاضوا الحرب وكثيرون منهم حلفاء لفيصل كرامي، بعد محاكمةٍ لا تتمتع بمواصفات النزاهة والعدالة تحت ضغط احتلالٍ دأب على قتل خصومه أو سجنهم أو نفيهم وإبعادهم، وقد وصفها الرئيس الراحل الياس الهراوي بأنها محاكمة سياسية، ووصفتها منظماتٌ حقوقية متخصصة ومعتمدة لدى الأمم المتحدة، مثل “هيومان رايتس ووتش” و”أمنيستي أنترناشيونال”، بأنها لا تتمتع بمعايير العدالة، وقامت حينها بإصدار تقارير موثقة حول المحاكمة السياسية التي تعرّض لها جعجع.

من يتمسّك بما يسميه نزاهةَ القضاء تحت الاحتلال السوري، ما عليه سوى أن يشاهد اليوم القضاء المحطَّم على أيادي أركان سلطة تحالف السلاح والفساد، ليعلم كيف تصبح العدالة أسيرة التسلّط والتدخلات، رغم بقاء هيكل القضاء واقفاً، لكنّه مفرَّغٌ من القدرة على القرار ومن العزيمة والإصرار على ملاحقة المجرمين وسَوق المرتكبين أمام العدالة، وما تعطيلُ التعيينات القضائية وفرزُ القُضاة على أساس الولاء السياسي، إلاّ شكلٌ من أشكال ضرب القضاء، ومن شاء التأكد عليه أن ينظر إلى نموذج القاضية غادة عون ليدرك حجم محنة القضاء في بلدنا.

استغلال الممانعة للقضية

هناك سببٌ واضح يدفع النائب كرامي إلى تعليق قضية الرشيد بهذا الشكل، وهو أنّه ينتمي إلى محور يريد استخدام هذا الملف ضدّ القوات اللبنانية، على سبيل التشهير والتوتير، وهذا أمرٌ يتلاقى مع رغبة “الأفندي” ليبقى لديه ذخيرة في الاستهداف السياسي عند المنعطفات وفي الكمائن المنصوبة على طرقات الاغتيال السياسي لمعارضي خط الممانعة.

لكنّ السياسة لا تُبنى على الأحقاد، ولم تكن هذه مدرسة رشيد ولا مدرسة عمر كرامي (رحمهما الله).

أين القضية وأين المشروع وأين الإنجازات؟

 ليس لدى فيصل كرامي قضية يتحدّث عنها سوى قضية واحدة هي قضية الشهيد رشيد كرامي، وهي قضية لم يستطع أن يحقِّق لها شيئاً لا في القضاء ولا في السياسة.

لكن غير ذلك ماذا لديه ليقدّمه للبنانيين؟ ما هي إنجازاته في التشريع أو التنمية أو السياسة.. وماذا يملك اليوم في هذه الأزمة ليقدّمه لأبناء طرابلس، سوى أنّه استحصل من تركيا، وليس من جيبه، على بعض المساعدات التي وزّعها على الأتباع وعلى طريقة الزبائنية السياسية..

هل اسمتع اللبنانيون من فيصل كرامي إلى مشروعٍ ذي شأن، حتى عندما وصل إلى وزارة الشباب والرياضة.. هل قدّم مشروعاً سياسياً من خلال النيابة، سوى تبعيته المطلقة لمحور الممانعة، وهو الذي دخل الوزارة باسم الثنائي الشيعي، وجاء بأصوات النظام السوري وأتباعه في طرابلس وبأصوات قلّةٍ من أبناء طرابلس والضنية.

للتذكير: مفاوضات انتخابية

من المفيد تذكير “الأفندي” أنه في العام 2000 عندما كانت طرابلس والكورة والبترون دائرة انتخابية واحدة حصلت مفاوضات جادّة بين ممثلين عن الرئيس المرحوم عمر كرامي وعن القوات اللبنانية في البترون، وكانت محطة لدراسة تبادل الأصوات والتواصل السياسي. ورغم أنّ تلك المفاوضات لم تصل إلى تحالف انتخابي، إلاّ أنّها أعطت فكرة عن الاستعداد لدى المرحوم عمر كرامي للتعامل مع القوات في السياسة.

أيّ نموذجٍ يريده فيصل كرامي في الحكم؟

بعد كلّ ما مرّ به لبنان ووصل إليه من انهيار، نسأل كرامي عن أي نموذج يريده أن يحكم: النموذج العوني – الممانع الذي أفلس البلد، أم النموذج القواتي الذي يقوده سمير جعجع، والذي أثبت شفافيته ونزاهته واقترابه العملي من نموذج الحكم الرشيد، مع الحفاظ على الثوابت الوطنية والانتماء العربي للبنان؟

عداوة الممانعة لآل كرامي

في ختام هذا النقاش، نقول للنائب فيصل كرامي: إن قضية الشهيد رشيد كرامي هي قضية عادلة تستحقّ الارتقاء بها إلى مستوى التحديات التي خاضها الشهيد الكبير، والتي كانت أساساً في وجه نظام الأسد الذي دمّر طرابلس وحاصرها وارتكب المجازر فيها، وطالما نظر آلُ الأسد إلى الشخصيات السنية الفاعلة على أنّها معادية له، ولطالما ردّد الرئيس المرحوم عمر كرامي الأحاديث عن محاربة النظام السوري له وللسيدة نايلة معوض في السياسة والانتخابات لأنّه كان ذا شخصية كريمة ترفض الإملاءات.

وهنا نطلب من النائب كرامي رأيه في مرتكبي مجزرة التبانة عام 1986 وفي مفجري مسجدي التقوى والسلام.. وهم حلفاؤه الذين يعتبر علاقته معهم فوق كلّ اعتبار!

نذكُر كذلك وقفة دولة الرئيس عمر كرامي الشامخة في رفض انقلاب السابع من أيار 2008 عندما أطلق مقولته الشهيرة: إذا وصلت الأمور إلى المسّ بطائفتي فأنا مع طائفتي. ويذكر اللبنانيون أيضاً مؤتمره الصحافي عندما قال لأمين عام “حزب الله” حسن نصرالله: أنا حيٌّ أُرزق عندما قال نصرالله حينها إنّ الرئيس عمر كرامي مريض ولا يستطيع ترؤس الحكومة..

بتاريخ 18/10/1990 ألقى المرحوم الرئيس (وزير التربية في حينه) عمر كرامي تبعات اغتيال الشهيد الرشيد على عاتق العماد ميشال عون وطالب بمحاكمته، في تصريح لإذاعة صوت الشعب ونقلته صحيفة النهار في هذا التاريخ.

مسار الاغتيالات: منظومة الممانعة القاتلة

لا يمكن تجاهل حقيقة وقوف النظام السوري وخط الممانعة وراء الاغتيالات التي طالت بشكل خاص الشخصيات السنية: المفتي حسن خالد، الشيخ صبحي الصالح، النائب ناظم القادري، الرئيس رفيق الحريري ولم توفر الشخصيات الوطنية: كمال جنبلاط وبشير الجميل ورينيه معوض… وبالتالي لماذا يشذّ اغتيال رشيد كرامي عن هذا المسار من الإجرام؟

هذا السياق من الأحداث يا سعادة النائب فيصل عمر كرامي، يعطيك تذكيراً واضحاً بأنّ طريقك الذي سلكتـَه لا يتناسب مع ميراث آل كرامي، فهم لم يستجْدوا موقعاً وزارياً من حصة أحد ولو مكثوا خارج السلطة سنوات، ولم يتنازلوا لينالوا موقعاً نيابياً ولو خرجوا من النيابة.. وأنّهم كانوا يصبرون على من يفترض أنّهم حلفاؤهم، لكنّهم عند تجاوز الخطوط الحمراء يقطعون تلك الخطوط ولا يلتفتون وراءهم.

دع الشهيد الرشيد يستريح

سعادة النائب فيصل كرامي: هذا الاستخدام لقضية الرشيد في وجه سمير جعجع لم يعد ذا جدوى، وها أنت ترى انفضاض الناس من حولك. وأبوابُ المصالحة الوطنية أولى أن تُفتح.. وآن لصفحات الحرب أن تطوى، فاترك الرشيد يستريح من آلام الاستحضار الموسميّ لذكراه العطرة.

رحم الله الشهيد الكبير رشيد كرامي ورحم الله دولة الرئيس عمر كرامي

الوسوم

أحمد الأيوبي

إعلامي لبناني وكاتب سياسي في عدة مواقع مختص بشؤون الحركات الإسلامية وقضايا الإرهاب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
إغلاق