سياسة

باسيل يلعب على حبال الوساطة

لا حاجة لعناء تبصُّر، لإدراك، أن الأسبوع الطالع، لا يندرج فقط، تحت عنوان «أسبوع الحسم»، ولا مجال إلَّا لاعتبار أداء «الوسيط الحالي» في مهلة الفرصة الأخيرة الرئيس نبيه برّي، ليس بوصفه قطباً سياسياً، أو رئيساً لمجلس النواب، حكم عليه، بعد الرسالة التي بعث بها رئيس الجمهورية ميشال عون إلى مجلس النواب، مستطلعاً مدى احتمال انخراطه في سحب تكليف رئيس تيّار «المستقبل» النائب سعد الحريري تأليف حكومة جديدة تحاكي الخطوط العريضة للكادر الذي يشتمل على مندرجات مبادرة الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون حول إعادة انتشال الوضع من الأزمة التي يغرق فيها، وإلَّا الذهاب إلى الاندثار، وربما الزوال عن الخارطة، وكأنه لم يكن، وفقاً لمنظومة المخاوف التي دأب على الإعلان عنها وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان..

طرحت النتائج السياسية التي انتهت إليها الجلسة النيابية معادلة: عون- الحريري، لكنها أبقت الضابط المسؤول عنها أو «الرابط» جبران باسيل، بالاعتبارات المعروفة، من النيابة إلى الحزبية، وقبلها المصاهرة، ودفعت بالرئيس برّي إلى الدور الذي يلعبه، من زاوية «تشاؤم يسكنه» منذ ما قبل الإعلان عن مبادرته، لإعادة تدوير الزوايا الحكومية..

بإمكان الرجل، بعد أيام أن يعلن انه حاول، ولم يوفق، مستعيناً بتبرئة ساحته- مع أنه ليس متهماً- من الفشل بالترميز إلى ماكرون، وبكركي، والأدوار العربية، لا سيما المصري.. ويتحضر للمواجهات المقبلة، إن كان ثمة حاجة لمواجهات، على ساحة الآخرين قد تصيبه..

المسألة هنا: كيف ستندرج المعادلة، بعد مضي هذا الأسبوع؟

في الخطط الموضوعة، بترتيبات محلية (قصر بعبدا) وإقليمية (سورية بعد إعادة انتخاب بشار الأسد رئيساً للجمهورية لولاية رابعة) ودولية (إعادة النظر برجال المبادرة التنفيذيين، بعد زيارة قائد الجيش العماد جوزيف عون إلى قصر الأليزيه) الحل المتدحرج في آلية نسف المعادلة: فرض مشروع حكومة على الرئيس المكلف، لا تكون الداخلية فيها من حصته، ولا حتى العدلية، وهذا الفرض يعني دفعه إلى الرفض.. وهنا يكون الرفض من نوع مختلف عمَّا سلف.. فليس بإمكانه أن يمضي بعيداً، وهو مكلف، فلا بدَّ من خطوة: اعتذار، يقال أن لا مشكلة لديه.. ولكن خطوة على مسار خطوات تالية: الاستقالة الجماعية من المجلس النيابي.. عند العارفين، الجواب: ربما.. ولكن لا شيء محسوماً بعد..

تقضي خطة إخراج الحريري الحالي من المعادلة، حشره في الزاوية، حتى أن الرجل، وقبل عودته إلى بيروت، بدأ يشعر بأن الجميع، اقترب من أن يقلب له «ظهر المجن».. فقد يكون وحيداً.. يشعر بالاستهداف، من دون ان يتمكن الوسيط من نصرته، بعد انكشفت العلاقة مع النائب السابق وليد جنبلاط.. وغداً السقف الإقليمي للرجل في مكان آخر.. أو ما يمكن وصفه «بالغطاء» المعروف.

المسألة من وجهة «الهمّ الحريري» تتخطى في جوانب مهمة منها، مسألة التأليف، أو الخروج من التكليف، إلى «التذاكر» في ما يمكن تسميته: ماذا بعد؟

فالعزوف عن السلطة، لن يكون هذه المرة، من جانب واحد.. لا بدَّ من قلب الطاولة.. كيف؟ أحد الخيارات، الاستقالة من المجلس النيابي..

بالمقلب الآخر، يستعد فريق بعبدا، الذي يعتبر ان الفرصة المتاحة للانقلاب على تكليف الحريري، باتت أقرب ممَّا مضى. فالأجواء الإقليمية ليست لمصلحته، فضلاً عن الأجواء الدولية.. لا سيما بعد إعادة انتخاب الأسد، وصمود المقاومة الفلسطينية في غزة وعموم فلسطين، وبالتالي فإمكان التعايش مع الرجل، لم يعد بالحسبان، في ضوء الاشتباكات على ساحة ملفات الفساد والمواجهة القضائية بين المدعي العام التمييزي والقاضية الاستئنافية في جبل لبنان..

وبالتدرج للتخلص من التكليف، تستعر الحملة إعلامياً وسياسياً، وفي الميدان، ويلعب باسيل على حبال وساطة برّي، فيقبل، ثم يرفض، إلى ان أرسل العهد إلى بكركي صيغة الحكومتين، التي ضاعفت المخاوف لدى الرجل المكلف، من أن المسألة، أبعد من تشاور، هي محاولة للاستهداف مجدداً، وصولاً، إلى الترويج ان الرئيس الحريري يواجه مشكلة مع دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث يقيم حالياً، قبل العودة إلى بيروت.. وهكذا اضطر الرئيس المكلف للاستعانة بـ «صديق إعلامي»، فجاء على لسان مصدر مقرّب منه لـ«الجديد»: الحريري يراقب الشائعات على وسائل التواصل عن توقيفه في الإمارات، ويستغرب خفة مطلقيها معروفي المصدر والانتماء، والذين يساهمون في زيادة الاحتقان من خلال نشر الاخبار الكاذبة وتعكير العلاقات مع الدول..

إذاً، في خط «الزحزحة» المعتمد لدى فريق الحكم، إشغال الحريري، ليس بالتأليف، والصيغ المطروحة، بل بـزيادة «الاحتقان».. والسؤال: هل الاحتقان يولد حكومة، أم يضاعف مرات ومرات أزمة الثقة بين العهد، حليف المحور الإقليمي المتقدم، والرئيس المكلف، الذي يبدو ان فرص قوته تتراجع إلى حدّ التخلي؟!

هكذا، تبدو فرصة «الاسبوعين» المحددة لرؤية مدى إمكانية الوصول إلى «صيغة انقاذ»، ليس للحكومة، أو الوضع المالي، أو النقد بالليرة أو بالدولار، بل لإنقاذ الطبقة السياسية برموزها الطائفية والمذهبية، من الذهاب بعيداً في عقم المنزلقات والانحدارات القاتلة..

يسعى «الثنائي الشيعي» إلى درء المخاطر الناجمة عن الاستقالات النيابية، أو الذهاب إلى انتخابات مبكرة، لاعتبارات تتعلق بكل فريق، بصرف النظر عن الشعبية، أو المتحورات عنها، فالاستقالات إضافة عبء إلى عبء.. ومن الذين لا يسقطون خيار الاستقالات كأقصر طريق للخروج من ورطة «تكليف الحريري» التيار الوطني الحر بزعامة باسيل، الذي ينظر إلى نفسه وفريقه، باعتباره جزءاً من محور يمتد من طهران إلى دمشق..

يعتقد باسيل ان الإمعان في التماهي مع المحور يفتح له باب قصر بعبدا، فيحصل لفريقه ما كان للفريق الآخر، على طريقة الاقوياء في طوائفهم: برّي رئيساً للمجلس، لعقود، وربما مدى الحياة، كذلك الحال بالنسبة لفريق تيّار «المستقبل»، والحزب الاشتراكي (الأقوى في التمثيل الدرزي)..

من هذه الزاوية، يضع باسيل الرئاسة في جيبه، غير آبه بمتغيرات ممكنة، وحاصلة في بيئته وفي تجربته، التي سجلت ضموراً هائلاً، بعدما انكشفت المسافة بين القول والفعل..

ترقب صعب، بعد ان انفصل الأمن عن السياسة، وها هو الاقتصاد ينفصل عن ترتيبات الفئة الحاكمة، وتشريعاتها.. ويمضي التموضع يومياً، في خانة «دولالرية» الاقتصاد، بسعر السوق السوداء، سواء نجحت منصة رياض سلامة لتسعير الدولار أو أخفقت؟!

قسم التحرير

التحرير في موقع قلم سياسي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى