عربي ودولي

القدس تستنهض الجميع

بقلم أ. علي شندب:

فضحت القدس الجميع، وأسقطت أوراق الوهم قبل التوت عن الجميع. فقد برهنت القدس أنها لم تزل المكان الوحيد الذي يختزن الوجدان الجمعي العربي الفلسطيني والإسلامي المسيحي والإنساني أيضا. أكدت القدس مرة أخرى أنها المرجل الوحيد المتبقي لاستنهاض وإعادة بعث النضال الفلسطيني وتزخيمه وصقله وتكريسه بوصلة حقيقية لاستنهاض بقية العرب من شتاتهم الممزّق بين المحيط والخليج.

القدس تستنهض الجميع. خلال أيام قليلة فعلت القدس هذا، انطلاقا من الملحمة المتواصلة في حي الشيخ جراح الذي استطاع شاباته وشبابه وكهوله ولفيف عربي فلسطيني انضم إليهم من الجوار القريب والبعيد داخل الوطن الشريد إعادة تصويب المسار وتأجيج جذوة النضال لاسترجاع الحقوق التاريخية في القدس المحتلة كخطوة مكثفة تمكنت من استدعاء التاريخ منذ عهد الفاتح صلاح الدين الأيوبي الذي يعتبر الشيخ جراح طبيبه الخاص، ما يفسر أهمية استدعاء المقدسيين لصلاح الدين.

ما فعلته القدس، أنها ركلت برجل واحدة اعتراف الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل. كما ومزقت الأمر التنفيذي وكسرت القلم الذي أهداه لنتنياهو في تلك اللحظة المشؤومة. إنه الاعتراف الترامبي الذي للمفارقة لم تعترض عليه مسيرة واحدة أو شبه اعتصام، بل فقد بدا أمر “اسرائيلية القدس” وكأنه ملك يمين ترامب. وهذا الأمر يسحب نفسه أيضا على قرار ترامب في “إسرائيلية” الجولان السوري المحتل. وهو الاعتبار الذي للمفارقة أيضا لم يحظ بأي اعتراض على مستوى النخب وليس النظم الرسمية فقط.

وفي هذا السياق بدت ملامح صفقة القرن التي كان يمسك بملفها ويرسم تضاريسها صهر دونالد ترامب ومستشاره جاريد كوشنير ترسم على الأرض بفعل القرارات الترامبية في لحظة بلغ فيها الضعف والتشتت والتمزق العربي مدى غير مسبوق.

فضحت القدس الجميع، فلم تنجح اتفاقيات التطبيع في انتزاع حقوق الفلسطينيين وحمايتها، لكنها منحت اسرائيل مدى جيواستراتيجيا على امتداد المنطقة برمتها.

أهمية ما تشهده القدس أنها أعادت تعبئة الشعب العربي الفلسطيني على امتداد فلسطين وفي مخيمات الشتات وحول العالم بعدالة قضيته التي تستحق التضحيات، فلم يبخل عليها بالدماء. وأن مواجهات القدس اليوم تتم بوسائل وأساليب تشبيكية شبكية مثقفة جديدة تستوعب لغة العصر وتقانته. ويمتاز شابات فلسطين وشبابها بحركة مدروسة ومتناسقة ومستوعبة لنضالات الآباء ومستفيدة من الأخطاء والدروس والعبر في تصعيد نضالهم الوطني الإسلامي المسيحي ضد الاحتلال الإسرائيلي للقدس وفلسطين.

بدون شك المواجهات الفلسطينية انطلاقا من الشيخ جراح واحتفالات ليلة القدر في المسجد الأقصى وصلاة العيد، وما جرى في اللد وحيفا وغيرهما من ترابط وطني أربك المشهد الإسرائيلي المربك بمستواه السياسي أصلا، فبدأ بعض ساسة إسرائيل يبدون تخوفهم وتوجسهم من انطلاق حرب أهلية مفتوحة بين العرب والإسرائيليين.

مواجهات القدس أتت بعد إعلان رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس تأجيل الانتخابات بذريعة عدم سماح إسرائيل بإجرائها في القدس. إنها الذريعة التي تستبطن حقيقة مؤلمة تفيد بخسارة قوائم عباس الانتخابات لمصلحة مناهضيه من حركة فتح وتحديدا تيار محمد دحلان. كما أنها أتت بعد فشل نتنياهو في تشكيل حكومة جديدة بعد الانتخابات الأخيرة.

لكن ما فعلته القدس، ينبغي الا يشيح بنظرنا عن غزة. التي رفعت فصائلها راية الانتصار للقدس. فرسمت في المشهد معادلات عسكرية جديدة. أظهرت عن قوة صاروخية استهدفت مواقع غير مسبوقة في المواجهات السابقة. صواريخ ذات مديات طويلة تمكن اختراقها المحدود للقبة الحديدية من تعطيل المطارات الإسرائيلية في تل أبيب وقرب العقبة الأردنية. ما جعل العقل الإسرائيلي العميق يستشعر اقتراب نهاية اللعبة. وهو العقل الذي دفع آلة الحرب الإسرائيلية للإعلان عن مشاركة 160 طائرة بقصف نحو 450 صاروخا وقذيفة خلال 40 دقيقة، عدا عن قصف المدفعية والبوارج البحرية.

صحيح أن العرب منقسمون حيال حركة حماس التي سبق وانغمست في مشاريع لا تخدم القضية الفلسطينية في سياق الربيع العربي المشؤوم وعضت الأيدي التي امتدت إليها بالعون كحركة مقاومة ضد إسرائيل، لكنها ارتضت أن تصبح من ثوار الناتو في ليبيا على سبيل المثال، وحركة استبدلت برنامجها المقاوم ضد إسرائيل بأجندة إيران والإخوان وفي غير بلد عربي.

مأزق الواقع السياسي الفلسطيني متماثل مع المأزق الإسرائيلي. نقطة الضوء الوحيدة هي أن تشكل هذه المواجهة من القدس الى غزة فرصة تاريخية لإنتاج وحدة وطنية فلسطينية حول مشروع وطني فلسطيني جديد يستند على قوة الحق والميدان والوعي الجديد الذي يمثله الجيل الفلسطيني الجديد الذي استطاع مرة أخرى رغم الآلام والتضحيات والدمار أن يصيغ ملحمة وطنية نضالية تحوز على ثقة الشعب الفلسطيني لتشكل عامل استنهاض جديدا للشعب العربي التواق لمغادرة مربع العجز والفقر والتخلف والشعور باضمحلال الكرامة باتجاه مربع القوة والعلم والتنمية والحقوق.

من الصعب وضع خلاصات تقريرية حول مواجهات فلسطين من القدس الى غزة.

فعلى مستوى القدس المدينة التي أعلنها ترامب عاصمة للدولة العربية، فإنها ستكون محل مراجعة حتمية من إدارة بايدن أقله على مبدأ حل الدولتين والمبادرة العربية للسلام التي طرحتها السعودية في قمة بيروت، لكن الإسرائيليين لم يلتفتوا إليها.

على مستوى غزة. برز نوع من الردع الجديد تمثل بهزّ “الصواريخ الفلسطينية” لمنظومة الأمن الدفاعي الإسرائيلية المتمثلة بالقبة الحديدية. وفي هذا ما يؤرق إسرائيل ويجعل مطلبها بتفكيك الترسانة الصاروخية الفلسطينية مطلبا مشابها لنزع سلاح حزب الله في لبنان. لكنه المطلب الذي دونه توازنات خطيرة ربما تهتز لأجله الحدود الشمالية مع فلسطين المحتلة وفي هذا ما يدعنا نتبصر بحقيقة الصواريخ التي انطلقت من جنوب سوريا باتجاه فلسطين المحتلة، وسبقها ثلاثة صواريخ انطلقت من محيط مخيم الرشيدية في جنوب لبنان وتنصل منها حزب الله. لكن الحزب سارع الى نعي أحد عناصره “الشهيد محمد قاسم طحان” الذي قتل برصاص إسرائيلي “أثناء مشاركته في التظاهرات الشعبية على الحدود اللبنانية الفلسطينية”.

بدون شك ثمة مشهد جديد يرتسم في المنطقة انطلاقا من فلسطين. عسى أن تتلقف دول الجامعة العربية الفرصة وتطلق موقفا استثنائيا لاستعادة ملف فلسطين المخطوف من أيدي المحتلين الإسرائيليين والمتاجرين الإيرانيين، الذين لطالما صمّوا آذاننا بقدرتهم على تدمير إسرائيل خلال 7 دقائق ونصف، ثم تراجعوا بحجة أن الظروف غير مواتية.

عسى ألا تتحول الآمال المتواضعة أوهاما.

قسم التحرير

التحرير في موقع قلم سياسي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
إغلاق