
دخل لبنان في مرحلة انتظارية، انتظار ما ستسفر عنه مفاوضات مسقط بين واشنطن وطهران التي ستبدأ اليوم، وانتظار عودة قائد الجيش العماد رودولف هيكل من واشنطن، فيما يستقبل اليوم وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، منتظراً ما يحمله إليه من رسائل. وعلى وقع هذه الانتظارات انشغلت الأوساط السياسية في معرفة نتائج «لقاء الأربعاء» بين رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس كتلة «الوفاء للمقاومة» النائب محمد رعد، والذي يفترض انّه أعاد وصل ما انقطع بين بعبدا والضاحية، على خلفية المواقف الأخيرة للرئيس في ذكرى انتخابه ولقائه مع السلك الديبلوماسي.
مع استمرار الغموض حول النيات الأميركية ومدى جدّية التهديدات الإسرائيلية لإيران، يبقى لبنان معلقاً على قدرين، الأول، المرتبط مباشرة بالحرب على إيران، والثاني على القرار الإسرائيلي الحاسم بنزع سلاح «حزب الله».
وقد شكّل لقاء بعبدا الأخير بين الرئيس عون والنائب رعد خرقاً، وصفه مصدر سياسي بارز في «حزب الله» بأنّه «إيجابي»، مؤكّداً لـ«الجمهورية»، انّ اللقاء «اتسم بالمصارحة والمسؤولية حول الهواجس والمواقف والاقتناعات، وأتى ليؤكّد انّ المرحلة حسّاسة ودقيقة، وانّ هامش المناورات الذي كان فضفاضاً في الذهاب يميناً ويساراً في السابق لتجنّب المشكلة لم يعد موجوداً الآن. فالإسرائيلي أخذ كل ما يريد من دون أي مقابل، والموضوع ببساطة بالنسبة الينا مرتبط باتفاق وقف إطلاق النار، ولا يمكن الانتقال إلى شمال الليطاني لتطبيق حصرية السلاح خارج إطار التفاهم اللبناني ـ اللبناني، ولا تحت الضغط الإسرائيلي والأميركي، والذي هو عملياً فرض الاستسلام علينا مع استمرار العدو في حرّية الحركة والعدوان، فحتى لو سلّمنا السلاح شمال الليطاني، هذا لن يغيّر شيئاً في أهداف العدو، والوضع له علاقة بأننا نفقد عناصر القوة بإرادتنا. حتى انّ الأميركي الذي كان يعدنا بخطوة مقابل الخطوة يكذب علينا، إذ كانت مسؤوليته في المفاوضات أن يقدّم لنا شيئاً ولم يفعل. نحن أعطينا كل ما عندنا ووصلنا إلى مكان أصبح الظن بنا أننا المعرقلون، في حين انّ نيات الإسرائيلي واضحة من خلال ما يقوم به في سوريا والمنطقة، ولا نية لديه سوى إطلاق يده بحرّية في كل المنطقة».
وأضاف المصدر: «نحن أمام وضع دقيق. وكثرة الضغط يمكن ان تولّد الانفجار، ولن نهرب من الضغط بتقديم مزيد من التنازلات، ثم انّ الناس التي تتحمّل كل يوم وهي خارج منازلها ويسقط لها شهداء لن تبقى ساكتة حتى لو سكتنا نحن، وهي تتقدّم بالمواقف علينا وتسبقنا لأنّها صاحبة الأرض». وقال المصدر: «الفكرة انّ جوهر النقاش له علاقة بمقاربة المرحلة بأعلى درجة من المسؤولية، وحساسية المرحلة المقبلة اقتضت هذا اللقاء. الرئيس عون اكّد الحرص على التعاون والتنسيق. فهناك مخاطر حقيقية، خصوصاً أنّ الموقف المعلن من «حزب الله» في شأن شمال النهر ناتج من اقتناع بأنّه شأن لبناني وتحت سقف استراتيجية الأمن الوطني. و«حزب الله» يرى انّه لا يمكن مقاربته من خلال الضغوط الخارجية والإملاءات الإسرائيلية وفي ظل استمرار الاعتداءات».
وأشار المصدر إلى «انّ «حزب الله» يعتبر انّ على لبنان أن يتبّنى هذا الموقف، وهو الأمر الذي دفع النائب رعد إلى قول ما قاله حرفياً وبدقة في تصريحه من القصر الجمهوري بعد لقائه الرئيس عون، بما يحفظ مصلحة البلد. ومجرد القول إنّ اللقاء اتسم بالمسؤولية، هو خطوة جيدة ومن الفم إلى الأذن». كاشفاً انّه تمّ الاتفاق على استمرار التشاور والتعاون، وانّ النقاش سيبقى مفتوحاً على مناقشة النقاط التي تحتاج إلى متابعة وتصويب وتحديد مواقف.
فاتحة لمرحلة
وفي السياق، تولي مصادر سياسية اهتماماً استثنائياً بالتوجّهات التي يعتمدها «حزب الله» حالياً، خصوصاً بعد الاجتماع الذي عُقد أول من أمس في قصر بعبدا، بين عون ورعد، والذي يمكن أن يشكّل فاتحة لمرحلة جديدة من العلاقات بين الطرفين. لكن اللافت هو التقاطع الذي سُجّل أمس بين الحزب وطهران، التي أصدرت مواقف واضحة تعني الحزب مباشرة. فقد أعلن المتحدث باسم الجيش الإيراني، انّ طهران مستعدة للحرب مع واشنطن كما هي مستعدة للمصالحة، ولكن إذا اندلعت الحرب فنطاقها سيشمل جميع مناطق الجغرافيا الإقليمية من الأراضي المحتلة إلى الخليج وبحر عُمان، وهذا يعني ضمناً لبنان و«حزب الله». كذلك أرسل علي اكبر ولايتي مستشار المرشد السيد علي خامنئي رسالة إلى الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم معزياً بوالد السيد حسن نصرالله، قال فيها: «نحن مستعدون تماماً للمواجهة، والنصر سيكون حليف جبهة المقاومة».
هذان الموقف والرسالة يقرأهما الحزب باعتبارهما دعوة واضحة إلى الصمود، وانتظار الاستحقاق الآتي: إما المصالحة وإما الحرب. وهو ما لوحظ في بيان كتلة «الوفاء للمقاومة» مساء، وجاء فيه، إنّ اي حرب أميركية على إيران ستُشعل المنطقة بأسرها ولن تستطيع واشنطن ضبطها. ويأتي ذلك فيما الحزب يترقّب الاستحقاق المحلي الأكثر حساسية، أي عودة قائد الجيش من واشنطن، وتبلور ملامح التحرك الذي سيطلقه تنفيذاً لخطة شمال الليطاني.
عون
في غضون ذلك، نقل زوار الرئيس عون عنه قوله انّه «متفاهم مع «الحزب» على الأهداف الاستراتيجية، لكننا نختلف حول الوسائل المناسبة لتحقيقها». آملاً في أن يتعاون معه «حزب الله» بالمقدار المطلوب لإنقاذ لبنان، ومشيراً إلى «انّ مرونة «الحزب» من شأنها تقوية موقع الدولة وأوراقها في مساعيها الديبلوماسية لتحرير الأرض واستعادة الأسرى ووقف الانتهاكات الاسرائيلية للسيادة وترسيم الحدود». ومبدياً ارتياحه إلى العلاقة الإيجابية التي تربطه بالرئيس نبيه بري، وداعياً «أي فريق يراهن على حرب إسرائيلية ضدّ لبنان او حرب أميركية ضدّ إيران لتعديل التوازنات الداخلية، إلى التخلّي عن الأوهام المجرّبة»، مشدّداً على «أنّ أحدا لا يستطيع أن يلغي الآخر في الداخل، ولبنان يتسع لنا جميعاً على قاعدة التوازن والمساواة».
وأمل عون، في أن يزور واشنطن في أقرب فرصة لطرح الموقف الرسمي اللبناني على حقيقته، طبقاً لمقتضيات المصلحة الوطنية.
وعلمت «الجمهورية»، انّ عون ينتظر في هذا الصدد بعض المعطيات التي سينقلها اليه العماد هيكل إثر عودته من واشنطن خلال اليومين المقبلين، وفي ضوئها سيتخذ الموقف المناسب.
وكان هيكل التقى أمس في اليوم الأخير من زيارته الأميركية كبير مستشاري الرئيس الأميركي دونالد ترامب مسعد بولس، فالسيناتور ليندسي غراهام.
وقالت سفيرة لبنان في واشنطن ندى معوّض: «لدينا وعود باستمرار الدعم الأميركي للجيش اللبناني والقوى المسلّحة، واللقاءات مع قائد الجيش إيجابية جداً»، مضيفة: «اللقاءات في مجلس الشيوخ جيدة جداً، وهناك ثناء على دور الجيش في الانتشار الميداني. وسُئلنا عن مرحلة شمال الليطاني وقائد الجيش قدّم الشرح اللازم».
سلام إلى الجنوب
من جهة أخرى، يبدأ رئيس الحكومة نواف سلام زيارة للمنطقة الحدودية صباح غد من ثكنة الجيش في صور وينطلق في اتجاه الناقورة ومروحين، قبل أن يضطر للاستدارة من طرق فرعية للوصول إلى قضاء بنت جبيل بسبب الاحتلال الإسرائيلي للطريق التي تربط بين مروحين ورامية. وسيعقد سلام لقاءات رسمية وشعبية في مدينة بنت جبيل، قبل أن يزور البلدات المحيطة بها. على أن يستكمل زيارته الجنوبية الأحد بجولة في منطقة مرجعيون والعرقوب وصولاً إلى شبعا وكفرشوبا.
زيارة بارو
في غضون ذلك، وعشية وصول بارو إلى بيروت، أصدرت السفارة الفرنسية بياناً، أعلنت فيه انّ «وزير أوروبا والشؤون الخارجية جان نويل بارو، يزور لبنان يومي الجمعة 6 والسبت 7 شباط 2026، ضمن جولة إقليمية في الشرق الأدنى والأوسط. وتعكس هذه الجولة التزام فرنسا بتحالفاتها وجهودها الرامية إلى تعزيز الاستقرار الإقليمي الذي يحترم سيادة الدول. وتتيح هذه الزيارة فرصةً لإعادة تأكيد دعم فرنسا لسيادة لبنان، واحترام اتفاق وقف إطلاق النار المُبرم في تشرين الثاني 2024، والقرارات التي اتخذتها السلطات اللبنانية لاستعادة حصر السلاح في يد الدولة. كما ستُمكّن من التحضير، بالتعاون مع السلطات اللبنانية، لمؤتمر دعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، الذي ستستضيفه فرنسا في 5 آذار المقبل في باريس. وأخيرًا ستتيح الزيارة فرصةً لمناقشة الإصلاحات المالية اللازمة لعقد مؤتمر دولي حول إعادة إعمار لبنان».



