لم يقتلها إنهيار المبنى.. قتلها إنهيار الدولة !

كتب محمد علوان لقلم سياسي
لم تكن إليسار مجرد اسم في شريط عاجل، ولم تكن مجرد ضحية إضافية في سجل هذا البلد المرهق.
كانت وجهاً أعرفه من الشاشة.. إسماً أكرره في التغطية، وصوتاً كنت أبحث عنه بين الأنقاض كما لو أن النداء قد يعيدها إلى الحياة.
ثلاثة أيام ونحن نواكب الخبر، نعد الساعات، نراقب الحفر، وأحاول أن أقنع نفسي بأن النهاية قد تكون مختلفة.
لكن في هذا البلد النهايات غالباً ما تكون نسخة مكررة من الخذلان.
حين أُخرجت الجثة من تحت الركام لم يكن المشهد صحفياً.. لم يكن مادة إعلامية.. كان صفعة شخصية.
شعرت لوهلة أن الهواء انقطع، أن الكاميرات صمتت، وأن كل الكلمات التي قيلت خلال الأيام الماضية سقطت دفعة واحدة.
لم تكن إليسار تخرج من تحت الحجر فقط، كانت تخرج كدليل دامغ على أن الإهمال ليس احتمالاً في هذا البلد.. بل نظام عمل.
ثلاثة أيام تحت الأنقاض.. ثلاثة أيام كانت كافية لتعرية دولة كاملة.
الدولة لم تسقط يوم انهار المبنى، بل سقطت قبله بسنوات.. يوم قررت أن تؤجل الصيانة، أن تغض النظر عن التقارير، أن تعتبر الأرواح بنوداً مؤجلة في موازنات فارغة.
إليسار لم تمت فجأة.. إليسار كانت تسير في طريق مرسوم سلفاً اسمه الإهمال.
المبنى لم يكن سراً.. التصدعات لم تكن خفية.. الخطر لم يكن مفاجئاً.
كل شيء كان معروفاً.. موثقاً.. قابلاً للمنع.
لكن في لبنان المعرفة لا تمنع الكارثة، بل تستخرج من الأدراج بعد وقوعها لتبريرها، وكأن الدولة لا تتقن سوى لغة “كنا نعلم” بعد أن يصبح العلم بلا جدوى.
الإهمال هنا ليس حادثاً، هو مناخ دائم.
والركام الذي سقط فوق إليسار لم يكن مجرد إسمنت وحديد، كان تراكم سنوات من التجاهل المقصود.
عندما خرجت جثتها أمام عيني، لم أر فقط نهاية شابة.
رأيت نهاية وهم طويل اسمه “الدولة ستحمي”.
رأيت الحقيقة كما هي بلا مساحيق.. نحن نعيش في بلد لا يمنع الكارثة بل يتعايش معها، لا يستعد للموت بل ينتظره، ثم يتفاجأ حين يقع.
اللحظة لم تكن حزناً فقط، كانت غضباً خالصاً.
غضب من شعور العجز، من تكرار المشهد، من إدراك أن هذه القصة ليست الأخيرة.
في تلك اللحظة، لم يكن الركام هو الأكثر ثقلاً بل الصمت.
صمت البيانات الرسمية، صمت الوعود المؤجلة، صمت منظومة اعتادت أن تصل دائماً متأخرة.
إليسار خرجت جثة، لكن الذي كان يجب أن يدفن فعلياً هو هذا الاعتياد الجماعي على الفشل.
هذه ليست قصة مبنى انهار.. هذه قصة بلد ينهار ببطء.. حجراً حجراً، حياةً حياة.
وكل مرة نعتقد أن الأسوأ مضى، يثبت لنا الواقع أن القاع في هذا المكان ليس قاعاً، بل طبقات متتالية من الإهمال.
إليسار لم تخرج وحدها من تحت الركام، خرجت ومعها الحقيقة عارية.. نحن لا نخسر أشخاصاً فقط، نحن نخسر معنى أن تكون الحياة محمية.
موتها لم يكن قدراً أعمى، بل نتيجة مسار طويل من الإهمال المنظم، من قرارات لم تتخذ، من صيانة لم تحصل، من مسؤوليات ضاعت بين المكاتب !



