إليسار تحت الركام.. وطرابلس تحت حكم الإهمال !

كتب محمد علوان لقلم سياسي
ثلاثة أيام مضت وإليسار لا تزال عالقة تحت الأنقاض، ثلاثة أيام أمام مبنى واحد.. أمام حياة واحدة.
ما حصل هو لحظة كاشفة، لحظة سقط فيها القناع عن دولة اعتادت إدارة الإهمال لا منعه، وتدوير الكارثة لا الاستعداد لها، والتعامل مع حياة الناس كأرقام مؤجلة في بيانات رسمية باردة.
فرق الإنقاذ تبحث بالأيدي، بأدوات بدائية، بموارد شحيحة وبإرادة بشرية تعوض غياب الدولة.
لم يكن المشهد بطولياً، كان فاضحاً.. فحين تتحول عمليات الإنقاذ إلى سباق مع الوقت بلا خطة واضحة ولا تجهيز حقيقي نكون أمام دولة حضرت بالكلام وغابت بالفعل.
المبنى لم ينهر فجأة، لم يكن مفاجأة جيولوجية ولا ضربة قدر.
المباني المتصدعة في طرابلس معروفة، مصنفة وموثقة بتقارير رسمية.
الدولة كانت تعلم.. والفرق بين الدولة والصدفة أن المعرفة هنا لم تستخدم للوقاية بل خزنت لتستعمل لاحقاً في تبرير الفشل.
ترك المبنى كما تركت المدينة حتى قرر أن يسقط.. وحين سقط، سقط معه الادعاء بأن هناك من يمسك زمام الأمور.
طرابلس ليست مدينة منكوبة بالصدفة، هي مدينة مهمشة بقرار سياسي واضح.. تقصى من خطط الإنماء، تنسى في الموازنات، وتصبح “عزيزة” فقط حين تدق ساعة الانتخابات.
وفي هذه المدينة نفسها لا يقتصر الإهمال على الحجر.. مئات الشبان يقبعون في السجون بلا محاكمات، بلا ملفات مكتملة، بلا أي استعجال قضائي.
سنوات تمر، أعمار تستهلك خلف القضبان، والدولة صامتة.
طرابلس لا تعامل كمدينة مواطنين، بل كخزان أزمات جاهز للاستخدام، مرة تستدعى كعنوان أمني، مرة كفزاعة اجتماعية، ومرة كورقة انتخابية.. لا حقوق ثابتة، لا استمرارية، فقط استدعاءات موسمية عند الحاجة.
إليسار اليوم ليست حالة فردية، هي نتيجة مباشرة لمسار طويل من الإهمال الممنهج.. شابة عالقة تحت أنقاض مبنى فيما الدولة تفاوض الوقت، تعد الساعات وتتعامل مع حياتها كتمرين تقني لا كمسؤولية وجودية.
ثلاثة أيام من البحث عن ناجية واحدة في بلد يصر على الادعاء أنه قادر على إدارة الأزمات فيما الواقع يقول إن الدولة نفسها غائبة ساعة الحقيقة.
المسؤولية هنا ليست غامضة ولا موزعة بالهواء، هي مسؤولية كل من حكم وكل من سكت وكل من برر.
إليسار ليست ضحية مبنى فقط، بل ضحية دولة قررت أن تتعامل مع مدينة كاملة كعبء لا كمسؤولية.
حين لا تمنع الكارثة، وحين لا يُستعد لها، وحين لا ينقذ الضحايا كما يجب.. نكون أمام فشل بنيوي لا حادث عرضي.
في القبة تحت الركام تتكثف الحقيقة كلها هذه.. دولة لا تحمي، لا تراقب، لا تستبق ولا تتحمل تبعات أفعالها، دولة تحتاج ثلاثة أيام لتتعامل مع مأساة واحدة، ثم تطلب من الناس أن تثق بأنها قادرة على مواجهة ما هو أكبر.
المشكلة لم تكن في الأنقاض، المشكلة فيما بني فوقها، في نظام كامل قام على الإهمال والتأجيل وتطبيع الفشل.
طرابلس لا تدعي المظلومية، هي فعلاً تترك دائماً بلا صوت، والركام اليوم ليس مجرد حجارة، بل شهادة على مدينة تهمل حتى تنهار، وعلى دولة لا تتحرك إلا بعد فوات الأوان.
إليسار ليست خبراً عابراً.. هي إنذار بأن الحياة في هذا البلد ليست أولوية، وبأن الكارثة ليست استثناء، وبأن من ينجو اليوم قد يكون تحت الركام غداً.



