محليمقالات

عون والحزب نحو التهدئة… الدبلوماسية جمود و”الميكانيزم” قعود

على وقع الانتظارات المحلية والإقليمية والدولية لمآلات التهديدات الأميركية والإسرائيلية لإيران، وفي ظل استمرار التمادي الإسرائيلي في اعتداءاته على لبنان جنوباً وبقاعاً، كان الحدث البارز الداخلي أمس، لقاء رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي جاء في لحظة اتساع الفجوة بين الأول و»حزب الله». فيما كان الحدث الخارجي البارز ايضاً، لقاء رئيس الحكومة نواف سلام مع الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون في قصر الاليزيه، الذي جاء في ظل التحضير الفرنسي للمؤتمر الدولي المقرّر لدعم الجيش اللبناني.

فيما الحركة الديبلوماسية في جمود ولجنة «الميكانيزم» في قعود، جزم مصدر مطلع على الموقف الأميركي لـ«الجمهورية»، انّ الديبلوماسية الأميركية وغيرها لن تتحرك على خط لبنان الّا بعد ضربة عسكرية تُوجّه لإيران او ضربة مماثلة توجّه إلى «حزب الله».

لكن مصدراً سياسياً بارزاً كشف لـ«الجمهورية» عن «نية لدى واشنطن وتل ابيب لإنهاء دور «الميكانيزم» السياسي، وفصل عملها عن مهمّة التفاوض، وإخراج الفرنسي منها لتكون ثلاثية حصراً بين الأميركي والإسرائيلي واللبناني، اي مفاوضات مباشرة تحت النار للتوصل إلى اتفاق أمني او ما يشبه (هدنة بلاس +)، وهذا ما يسعى إليه الأميركي ضمن التوجّه الجديد لمعالجة أزمة لبنان». واكّد المصدر «انّ الدخول في المرحلة الثانية من خطة حصرية السلاح شمال الليطاني بدأت تفرض سلوكاً متطوراً من الدولة مقابل رفع السقف لدى «حزب الله»، الذي يرفض الإستمرار في التفاوض وتقديم خطوات إضافية من دون أن يقدّم الإسرائيلي اي شيء في المقابل، وهذا بحدّ ذاته سيبقى مصدر قلق وخوف من ان تتدحرج الامور إلى الأسوأ، وهناك رسائل متبادلة في هذا الاتجاه ورهان على بعض الوقت، لتتضح الصورة بين أميركا وإيران ومعرفة على ماذا سيرسو المشهد».

بداية التهدئة

داخلياً، شكّل اللقاء بين عون وبري أمس، مدخلاً لمعالجة التوتر الذي اشتد في الأيام القليلة الماضية بين بعبدا و»حزب الله»، وبدأت الموجة التي هبّت من بيئة المقاومة ضدّ تصريحات رئيس الجمهورية بالانحسار، وبدا ذلك واضحاً من خلال مقدّمة نشرة أخبار قناة «المنار» المسائية، التي تحدثت عن تمايز في مواقف الرئيس، وخصّصت جزءاً كبيراً منها لمواقفه الأخيرة، وهذا ما اكّده فعلاً مصدر في «حزب الله» لـ«الجمهورية»، كاشفاً انّ الحزب لم يكن وراء هذه الحملة، إنما كانت ردة فعل وانزعاج في بيئته ومناصريه من ثلاث محطات كلامية للرئيس عون، بدأت بمقابلته التلفزيونية واستُكملت بمواقفه أمام السلك الديبلوماسي، وخصوصاً بعض العبارات التي استخدمها في كلماته». وقال المصدر: «الناس تحتاج حالياً إلى احتضان ورعاية خاصة والابتعاد عن كل ما يؤدي إلى الشحن».

واكّد المصدر «انّ «حزب الله» وعلى عكس ما أُشيع، لم ينظّم الحملة على الإطلاق، وبيان كتلة «الوفاء للمقاومة» خير دليل، ولم يكن لديه نيات لا لتصعيد كلامي ولا لتحريك الشارع».

وعلمت «الجمهورية» انّه تمّ الاتفاق بين عون وبري على التهدئة وإعادة خطوط التواصل مع «حزب الله»، وانّ هناك لقاءً مرتقباً بين مستشار الرئيس العميد ديديه رحال و«حزب الله»، لتكريس هذه التهدئة وعودة الأمور إلى مجراها. كذلك علمت «الجمهورية» انّ لقاء بعبدا ركّز على ملف الانتخابات، وما هي الخيارات المطروحة. ثم تطرّق إلى الأوضاع العامة في البلاد عموماً والوضع في الجنوب خصوصاً في ضوء استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على القرى والبلدات الجنوبية وتوسعها إلى البقاع. وتطرّق البحث إلى اللقاءات التي تُعقد لمعالجة التصعيد الإسرائيلي وإلى سبل مساعدة أهالي القرى الحدودية المدمّرة للعودة إلى قراهم وتقديم الدعم اللازم لهم في أماكن وجودهم.

وبعد اللقاء، سُئل الرئيس بري عن جو اللقاء فأجاب: «دائما أُسأل هذا السؤال وجوابي واحد: كل اللقاءات مع فخامة الرئيس دائماً ممتازة».

عون ووفد جنوبي

ولاحقاً، التقى عون وفداً من أبناء البلدات الجنوبية الحدودية، عرض معه الوضع في الجنوب وطالبه بـ«المزيد من العمل من اجل تحييد المدنيين عن المخاطر، ووقف التعديات المستمرة على البيوت والأرزاق وإطلاق سراح الأسرى، وتفعيل دور لجنة «الميكانيزم» لتطبيق وقف جدّي شامل لإطلاق النار، ونشر الجيش اللبناني في جميع قرانا الحدودية، بما يعزّز شعور الأهالي بالأمان والاستقرار». ورفض «كل ما يُتداول عن مخططاتٍ تهدف إلى تحويل منطقتنا إلى منطقة عازلة أو اقتصادية أو خالية من السكان، ونؤكّد تمسّكنا الكامل بكل شبرٍ من أرضنا وحقّنا المشروع في العيش عليها».

وردّ الرئيس عون نافياً وجود أي اقتراح حول إخلاء المنطقة الحدودية الجنوبية من سكانها وتحويلها إلى منطقة اقتصادية عازلة. واكّد «اهمية تأمين الحماية الكاملة لأهل هذه المنطقة من خلال تعزيز وجود مراكز جديدة للجيش في بلداتها ومؤازرة قوات «اليونيفيل» له لتأمين مظلة دولية لهذه الحماية، لافتاً إلى انّ دولاً كثيرة من الاتحاد الاوروبي كفرنسا وإيطاليا، واخرى مثل أندونيسيا، اكّدت تصميمها على البقاء في الجنوب بعد انتهاء مهام «اليونيفيل» فيه. وقال: «نطالب بشكل دائم المجتمع الدولي للضغط على إسرائيل لوقف اعتداءاتها والانسحاب من التلال التي احتلتها بالإضافة إلى إعادة الاسرى اللبنانيين. انتم أبناؤنا والدولة ملزمة بكم، فأنا ابن الجنوب وأعرف جيداً معاناة ابن هذه الأرض، وانا ابن البيئة نفسها، فلا توصوا حريصاً، وليس لدينا خيار آخر. فالحرب ليست خياراً لنا، وكذلك هي ليست خيار اهل الجنوب الذين عانوا وخسروا الكثير منذ العام 1969. ولبنان لا يمكن ان يتحمّل وحده تبعات الدفاع عن القضية الفلسطينية مع انّها قضية محقة». وقال: «نحن في مرحلة صعبة، نتعاطى فيها بحكمة وتعقّل، ولكن البعض، للأسف، يعتبر هذا الاسلوب ضعفاً، إلّا أننا نريد تخفيف المعاناة بأقل خسائر ممكنة».

ماكرون وسلام

خارجياً، كان اللقاء بين ماكرون وسلام في قصر الاليزيه. وقالت مصادر ديبلوماسية لـ«الجمهورية»، إنّ هذا اللقاء «لا يجوز إعطاؤه حجماً يفوق الواقع، لأنّ اللاعب الفرنسي يتعرّض في هذه الفترة لعملية إقصاء واضحة في لبنان من جانب الشريك الأطلسي، الولايات المتحدة». وتحدثت المصادر عن تباينات واضحة في وجهات النظر بين الطرفين في ما يتعلق برؤية التسويات في لبنان. فواشنطن تعتبر أنّ على لبنان تقديم إثباتات جدّية بأنّه يلتزم تنفيذ البند المتعلق بنزع سلاح «حزب الله» في اتفاق تشرين الثاني 2024، فيما ترى فرنسا أنّ مقابل هذا الالتزام اللبناني على إسرائيل أن تنفّذ الجوانب المتعلقة بها، أي وقف الضربات العسكرية في لبنان والانسحاب من النقاط المحتلة والسماح بإعادة بناء القرى المدمّرة. كما أنّ نية إسرائيل إقامة منطقة عازلة مرفوضة فرنسياً لأنّها تتعارض ومبادئ السيادة الوطنية اللبنانية.

في أي حال، الجميع يتطلع إلى ما يمكن أن يُقدّم إلى الجيش اللبناني في المؤتمر المقرر أن ترعاه باريس في 5 آذار المقبل، والذي يأتي بعد شهر من زيارة قائد الجيش رودولف هيكل المقررة لواشنطن في 3 شباط. وهنا تسأل المصادر: هل سيتمّ تسهيل المساعدات للجيش في هذا المؤتمر؟ أم إنّ الأميركيين سينتظرون نتيجة «امتحان» نزع السلاح ليبنوا على الشيء مقتضاه؟

مضمون المحادثات

وقد تناولت المحادثات على مدى ساعة بين ماكرون وسلام، وتخللتها خلوة بينهما، أبرز المواضيع المشتركة بين البلدين، ولا سيما منها التحضيرات الجارية لعقد مؤتمر دعم الجيش في باريس في 5 آذار المقبل وسبل إنجاحه. وشدّد الطرفان على «أهمية الإنجاز الذي حققه الجيش اللبناني في بسط سلطته وحيداً على منطقة جنوب الليطاني». وثمّنا «الدور الذي تلعبه هيئة الميكانيزم»، وأعربا عن «تمسكهما بضرورة التنفيذ الكامل لإعلان وقف العمليات العدائية الذي تمّ التوصل إليه في تشرين الثاني من عام 2024».

وفي هذا الصدد، شدّد سلام على «ضرورة وقف خروق إسرائيل للسيادة اللبنانية وانسحابها من كامل الأراضي التي لا تزال تحتلها». وأكّد «التزام حكومته استكمال عملية حصر السلاح في كل الأراضي اللبنانية وفق الخطة التي وضعها الجيش في أيلول الماضي»، معتبراً أنّ «أي رهان على عكس ذلك من أي جهة هو كناية عن مغامرة لن تأتي على لبنان إلّا بالمزيد من عدم الاستقرار والمآسي».

وشكر سلام لماكرون «الدعم الكبير الذي تقدمه فرنسا للبنان على كل الأصعدة»، مشدّداً على «ضرورة إيجاد بديل لقوات «اليونيفيل» بعد انتهاء مهامها، والتي لفرنسا دور محوري في صياغته لكونها صاحبة القلم بهذا الشأن في مجلس الأمن».

من جهته ماكرون أكّد «دعمه للخطوات الإصلاحية التي تقوم بها حكومة الرئيس سلام»، مشدّداً على «أهمية إقرار قانون الفجوة المالية بعد نقاشه في اللجان النيابية المختصة، بما يؤدي إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي وإقامة مؤتمر في باريس لدعم إعادة التعافي والإعمار في لبنان».

وبعد استقباله سلام​ كتب ماكرون عبر منصة «إكس» أنّ «فرنسا تقف إلى جانب لبنان، البلد الصديق، للدفاع عن سيادته، ودعم قواته المسلحة، ومواكبة الإصلاحات اللازمة لتعافيه». وقال: «في باريس، نُحضّر لمؤتمر دعم القوات المسلحة اللبنانية، الذي يهدف إلى تعزيز القدرات والدور الأساسي الذي تؤديه في خدمة استقرار لبنان وسيادته». وأضاف: «تتقاسم فرنسا ولبنان المطلب نفسه، احترام وقف إطلاق النار، الاستقرار، وتحقيق سلام دائم في الشرق الأدنى والشرق الأوسط».

مساعدات قطرية

في غضون ذلك، يزور وزير الدولة في وزارة الخارجية القطرية محمد بن عبد العزيز الخليفي لبنان بعد غد الاثنين، ويلتقي الرؤساء عون وبري وسلام إضافة إلى قائد الجيش ومسؤولين أمنيين آخرين، للبحث في سبل الدعم في ضوء استعداد قطر لتقديم مزيد من المساعدات للبنان.

وفي المعلومات، انّ الضيف القطري سيبحث في حزمة مشاريع ومساعدات في القطاعات الاقتصادية، التربوية، والصحية، وفي أفق التعاون الاقتصادي والاستثماري في مجالات الطاقة والكهرباء، خصوصاً أنّ لبنان طلب من قطر مساعدته في قطاع الكهرباء وتأمين استجرار الغاز القطري من سوريا لزيادة التغذية الكهربائية، إلى جانب مشاريع أخرى في مجال الطاقة. كما سيطرح ملف المساعدات القطرية المقدمة للجيش اللبناني والتي يُتوقع ان تشمل قوى الأمن الداخلي.

جولة الخطيب

جنوباً يتفقّد نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ علي الخطيب اليوم القرى والبلدات الجنوبية التي استهدفها العدوان الإسرائيلي الأخير ولا سيما منها بلدات الخرايب وأنصار وقناريت، للإطلاع على حجم الأضرار ولقاء الأهالي والفاعليات المحلية.

وقال الخطيب في خطبة الجمعة أمس «إنّ الموقف الحكومي غالبًا ما يتعامل مع العدوان الإسرائيلي كمعطى ثانوي، أو كأمر واقع يُدار بالصمت أو بالبيانات، لا بالفعل السياسي. اننا نأخذ على الحكومة اللبنانية أنّها تتعامل مع مفهوم السيادة بمنطق انتقائي: تشدّد على حصرية السلاح عندما يتعلّق الأمر بالمقاومة، لكنها تلوذ بالصمت أو بالعجز حين يتعلّق الأمر بالاعتداءات الإسرائيلية، أو بالضغوط السياسية والاقتصادية الخارجية». وسأل: «أين السيادة حين تُفرض على لبنان شروط سياسية مقابل المساعدات؟ وأين السيادة حين يُمنع الجيش اللبناني من الحصول على سلاح نوعي؟ وأين السيادة حين تُقدَّم روايات منقوصة عن الصراع إلى الخارج؟». وقال: «إنّ السيادة لا تُجزَّأ، ولا تُستخدم أداة ضغط داخلية، ولا تُختصر بشعار يُرفع في المحافل الدولية من دون امتلاك أدواته. انّ الدعوة إلى حصرية السلاح بيد الدولة، كما تطرحها الحكومة، تُقدَّم بوصفها مدخلًا لبناء الدولة. لكننا نرى أنّ هذه الدعوة، بصيغتها الحالية، تتجاهل الفجوة الهائلة بين المطلوب والمتاح». واضاف: «اننا ننتقد بشدّة الخطاب الحكومي الموجَّه إلى الخارج، حين يُقدَّم لبنان وكأنّ أزمته الأمنية محصورة بسلاح المقاومة، متجاهلًا الاحتلال والعدوان والخروقات. هذا الخطاب لا يخدم مصلحة الدولة، بل يضعف موقعها التفاوضي، ويمنح إسرائيل غطاءً سياسيًا، ويحوّل الانقسام الداخلي إلى مادة استثمار خارجي».

وختم: «إنّ انتقادنا للحكومة لا ينطلق من موقع الخصومة، بل من موقع الحرص على الدولة. فالدولة لا تُبنى بتجريدها من عناصر القوة، ولا بتوريطها في التزامات تفوق قدرتها، ولا بتحويلها إلى صندوق بريد للرسائل الدولية».

المصدر
الجمهورية


iPublish Development - Top Development Company in Lebanon

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى