قضية حرقوص كشفت مرة جديدة أن حزب الله هو الدولة!

كتب محمد علوان لقلم سياسي،
لم تكن قضية محمد فرح حرقوص أول رواية، ولن تكون آخر الحكاية.
هذه واحدة من الروايات اللبنانية التي تبدأ بالخطف، تمر بالتحقيق وتنتهي بجثة.. ثم يطلب من الناس أن تصدق أنها حالة وفاة طبيعية.
في السادس من كانون الثاني خرج محمد فرح حرقوص من منزله في الضاحية الجنوبية لبيروت برفقة زوجته.
دقائق قليلة كانت كافية ليختفي قبل أن تعترض طريقه سيارة بيضاء.. ترجل منها أشخاص عرفوا عن أنفسهم بأنهم من اللجنة الأمنية التابعة لحزب الله.. لم تبرز مذكرة توقيف.. لم يشرح السبب ولم يعرف إلى أين أخذ.
منذ تلك اللحظة انقطع الاتصال.. لا محضر توقيف، لا مكان احتجاز معلوم، ولا جهة رسمية تعترف بأنها مسؤولة.
وبعد أكثر من أربع وعشرين ساعة من الاختفاء تلقت العائلة خبراً لا يشبه أي إجراء قانوني.. محمد فرح حرقوص موجود جثة في المستشفى العسكري.
ومن هنا تبدأ الرواية الرسمية!
قيل إنه سلم لاحقاً إلى مخابرات الجيش اللبناني.
وقيل إنه أثناء التحقيق شعر بتعب مفاجئ.. وقيل إن الوفاة نتجت عن عارض صحي.
لكن الجثة لم تكن صامتة !
آثار واضحة على الرأس.. كدمات.. اشتباه بإصابات غير ناتجة عن مرض.
تقارير طب شرعي متناقضة.. إثنان يتحدثان عن وفاة طبيعية وثالث يفتح الباب على فرضية الضرب والتعذيب.
إلى درجة أن القضاء مجدداً اضطر إلى إعادة فتح القبر وطلب تشريح جديد.
هذا ليس تفصيلاً.. هذا جوهر القضية..
لأن السؤال المركزي لم يكن كيف مات؟ بل من اعتقله أولاً؟ وتحت أي صفة؟ وبأي حق؟
هذا السؤال لم نجد الإجابة عنه حتى الآن.. وعدم الإجابة ليس صدفة.
في لبنان حين يذكر اسم حزب الله في قضية أمنية تتحول الدولة إلى شاهد صامت.
القضاء يتريث.. الأجهزة تلتبس والتحقيق يدار بحذر سياسي لا بمنطق قانوني.
قضية حرقوص كشفت مرة جديدة أن هناك مساراً موازياً للاعتقال.. يبدأ خارج الدولة ثم يسلم إليها حين يصبح العبء ثقيلاً.
والدولة هنا أثبتت مجدداً أنها لم تكن يوماً صاحبة قرار بل جهة استلام.. وهذا أخطر ما في الأمر.
في هذه الحالة لم يعد التعذيب انتهاكاً فردياً بل نتيجة طبيعية لمنظومة مزدوجة.. ميليشيات تعتقل بلا مساءلة ودولة يطلب منها لاحقاً إدارة النتائج.
حين يموت شخص بعد هذا المسار لم نعد أمام خطأ بل أمام جريمة مغطاة بتوزيع الأدوار.
قضية محمد فرح حرقوص ليست استثناء.. هي امتداد لنمط معروف.. اختطاف غير معلن.. تحقيق بلا ضمانات.. وفاة ! ثم معركة روايات.
وهنا يصبح لبنان نسخة مصغرة عن أسوأ ما في المنطقة.
ليس بعدد الضحايا بل بالمنطق نفسه.
منطق صيدنايا لا يقاس بالحجم بل بفكرة أن الإنسان يسحب من حياته الطبيعية إلى مكان خارج القانون ويصبح الجسد أداة ضغط والحقيقة تفصيلاً ثانوياً.
الدويلة التي تحكم هذا البلد لا تحتاج إلى إعلان بل تظهر في هذه اللحظة تحديداً.. حين يختطف مواطن ولا تجرؤ الدولة على القول بوضوح من فعل ذلك.
قضية حرقوص تضع اللبنانيين أمام حقيقة قاسية.. الدولة لا تملك احتكار العنف ولا تملك احتكار الحقيقة.
وحين لا تحاسب الجهة التي بدأت الاعتقال يصبح كل ما بعدها مسرحية ناقصة.
لهذا.. هذه القضية ليست خبراً وليست مأساة عائلة فقط.. هي إنذار !
إنذار بأن التعذيب ليس حادثاً عابراً.. وأن الموت تحت التحقيق ليس خللاً.. وأن الصمت الرسمي ليس حياداً بل شراكة.
وكل يوم تمر فيه هذه القضية بلا كشف كامل للمسار منذ لحظة السيارة البيضاء حتى لحظة الجثة.. سيكتب إسم جديد على لائحة غير معلنة.. بانتظار دوره في الرواية التالية.



