محليمقالات خاصة

وهم الطهارة السياسية: حين نبحث عن قدّيسين في صندوق الاقتراع

كتب عمر بلح لقلم سياسي،

في مجتمعات تُدار بالعطب المزمن، كثيرًا ما تُشلّ السياسة باسم الأخلاق. يُرفع سقف “النقاء” إلى مستوى تعجيزي، يُحوّل أي خيار واقعي إلى شبهة، وأي اختلاف إلى ذريعة للانسحاب. هكذا تنقلب الانتخابات من أداة ترجيح وتغيير إلى محكمة أخلاقية، يُقصى فيها المرشح لا لأنه خطر فعلي على الصالح العام، بل لأنه لا يطابق صورة خيالية صُنعت في أذهان ناخبين يبحثون عن خلاص رمزي لا عن قرار سياسي.
في الفقه الإسلامي، وعلى النقيض من هذا المنطق، لم تُربط صحة الجماعة بعدالة الأفراد. الصلاة، وهي ذروة الفعل التعبّدي الجماعي، جُوّز أداؤها خلف إمام فاسق في سلوكه الشخصي، ما دام لم يمسّ أصل الدين. لم يكن ذلك تساهلًا أخلاقيًا، ولا غفرانًا للفساد، بل إدراكًا مبكرًا بأن تعليق الفعل الجماعي على شروط الكمال يُفضي إلى شلل المجتمع وانفراطه. هذه القاعدة لم تُشرَّع لحماية الفاسق، بل لحماية الجماعة من الفراغ، لأن الفراغ لا يبقى فارغًا طويلًا.
من هنا تبدأ المقارنة السياسية. في السياسة، لا نبحث عن قدّيس، ولا نمنح أصواتنا في صندوق الاقتراع على أساس السيرة الشخصية أو التطابق العاطفي. السياسة ليست اختبار نقاء، بل مفاضلة بين مسارات. بين من يختلف معك في الأسلوب، ومن يختلف معك في الغاية. بين من يُخطئ في التطبيق، ومن يعمل على تغيير الاتجاه نفسه. الخلط بين هذه المستويات ليس سذاجة سياسية فحسب، بل خطر حقيقي على أي عملية ديمقراطية.
كما فرّق الفقهاء بين فسق السلوك وفساد العقيدة، يفترض بالوعي السياسي أن يفرّق بين من يناقشك في كيفية الوصول، ومن يناقضك في الوجهة النهائية. الأول خصم سياسي مشروع، يُحاسَب ويُواجه ويُضبط ضمن اللعبة السياسية. أما الثاني، فهو خطر بنيوي، لأنه لا يعمل على تصحيح المسار، بل على استبداله بالكامل، مستخدمًا الأدوات نفسها التي يُفترض أن تحمي المجتمع منه.
ومع اقتراب الانتخابات، يظهر وجه آخر لهذا الخلل: مواسم الإعاشات، تزفيت الطرقات، الوعود السريعة، والمشاريع التي تُستخرج من الأدراج قبل أسابيع من فتح صناديق الاقتراع. فجأة، يتحول المرشح إلى “منقذ”، وتُقدَّم الخدمات وكأنها كرامات، لا حقوقًا مؤجلة. يُعاد إنتاج صورة السياسي بوصفه نبيًّا صغيرًا، يهب الناس ما هو من واجب الدولة، ثم يطالبهم بالولاء بدل المحاسبة.
هذه اللحظة تحديدًا تكشف جوهر الوهم. فكما لم يكن مسيلمة الكذّاب نبيًا لأنه ادّعى النبوّة، لا يصبح المرشح رجل دولة لأنه وزّع إعاشة أو زفّت طريقًا. الفرق بين القيادة والادّعاء لا يُقاس بحجم الخطاب ولا بعدد الصور، بل بثبات الاتجاه وصدق الغاية. تحويل الخدمات إلى معجزة انتخابية ليس سياسة، بل احتيال مقنّع بلغة الرعاية.
المعضلة أن كثيرًا من الناخبين يقعون في الفخ نفسه كل مرة. يُسقِطون غضبهم أو حاجتهم على الشخص، لا على المنظومة. يرفضون خيارًا سياسيًا ناقصًا لأنه لا يُرضي ذائقتهم الأخلاقية، ثم يمنحون أصواتهم أو صمتهم لمن يملك قدرة أعلى على استغلال العوز وتزييف الصورة. هكذا يُعاد إنتاج الواقع نفسه، لا رغم الوعي، بل باسمه.
الامتناع، المقاطعة، أو انتظار “الخيار المثالي” لا يشكّل موقفًا محايدًا، بل قرارًا سلبيًا يفتح الطريق أمام الأكثر تنظيمًا لا الأكثر صوابًا. تمامًا كما أن ترك الصلاة بحجة فساد الإمام لا يُسقط الفساد، بل يُسقط الجماعة. في السياسة، كما في الاجتماع، الانسحاب لا يعاقب الفاسد، بل يُكافئه.
السياسة، مثل الصلاة جماعة، فعل ناقص بطبيعته لكنه ضروري. من يرفض الدخول فيها إلا بشروط الكمال، يتركها تلقائيًا لمن لا يشترط شيئًا. وهذا لا يعني تبرير الفساد، ولا منح صكوك براءة، بل يعني فهم الفارق بين الخطأ القابل للتصحيح والانحراف الذي لا يُحتمل، وبين الخلاف السياسي والخيانة للاتجاه العام.
ومع الدخول إلى أبواب الانتخابات، يبقى السؤال الحقيقي: هل نبحث عن مرشح يشبهنا تمامًا، أم عن خيار يمنع السير عكس ما نؤمن به؟ هنا فقط يصبح الاختيار سياسيًا فعلًا، لا عاطفيًا، ولا أخلاقيًا زائفًا.


iPublish Development - Top Development Company in Lebanon

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى