
بعد أسبوع ديبلوماسي بامتياز شهده لبنان، غادر موفدو اللجنة الخماسية العربية ـ الدولية المهتمة بالشأن اللبناني بيروت، بعد محادثات مع المسؤولين الكبار ومجموعة من القيادات السياسية، نقلوا خلالها رسائل دعم وتحدّيات في آن واحد، وسط أجواء عدم استقرار إقليمية وداخلية تفرض مراجعة حسابات، في الوقت الذي تقف المنطقة أمام احتمالات شتى، في ضوء ما يجري بين إيران وكل من الولايات المتحدة وإسرائيل، والتطورات التي يشهدها الوضع السوري، وآخرها الاتفاق الذي حصل ما بين السلطة السورية و»قوات سوريا الديموقراطية»( قسد) الذي من شأنه أن يعيد الأخيرة إلى كنف الدولة السورية، خصوصاً بعد سيطرة قوات النظام على مساحات كبيرة من المنطقة التي تسيطر عليها «قسد»، وقد استعادت مدناً وبلدات وقرى، وحقولاً نفطية وقواعد عسكرية من مطارات وغيرها.
على مدى أيام، عقد ممثلو دول اللجنة الخماسية اجتماعات ولقاءات مع المسؤولين اللبنانيين الكبار ومجموعة من القيادات السياسية، وكان أبرزها الاجتماع الموسع الشهير الذي عقدوه مع رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، وأُعلن خلاله عن موعد انعقاد مؤتمر دعم الجيش اللبناني في 5 آذار المقبل في باريس برعاية الإدارة الفرنسية.
وقد نقل هؤلاء الممثلون خلال لقاءاتهم رسائل لم تكتفِ بتأكيد دعم الاستقرار اللبناني فحسب، بل ركّزت على دعم المؤسسة العسكرية كركيزة أساسية لاستعادة سلطة الدولة وهيبتها على كامل الأراضي اللبنانية، في وقت تستمر إسرائيل في انتهاك اتفاق وقف إطلاق النار والقرار الدولي 1701 بدءاً من الجنوب إلى عمق لبنان.
ومن المنتظر أن يتركّز الاهتمام في الأسابيع الفاصلة عن موعد دعم الجيش اللبناني المقرر في 5 آذار المقبل في باريس، في محاولة لتعبئة دعم مالي وتقني واسع للجيش، في اعتبار انّ دوره يبقى محوريًا، ليس فقط في حفظ الأمن بل أيضًا في كونه عنوانًا لبناء الثقة الدولية بلبنان كدولة قادرة على فرض سيادتها.
ثلاثة محاور
وقالت مصادر سياسية لـ«الجمهورية»، إنّه مع انتهاء الزيارة «الخماسية»، سيدخل لبنان مرحلة من ثلاثة محاور:
ـ الأول، استمرار التواصل الدولي. إذ يُتوقع أن تستمر الاتصالات السياسية والديبلوماسية مع الدول الداعمة، خصوصاً في ما يتعلق بالإصلاحات الاقتصادية ودعم المؤسسات.
ـ الثاني، الملف الأمني، حيث سيبقى اتفاق وقف إطلاق النار والقرار الدولي 1701، اللذان تنتهكهما إسرائيل تحت مجهر المجتمع الدولي، في انتظار تفعيل عملي للجنة «الميكانيزم».
ـ الثالث، التوترات الإقليمية المتأتية من التهديد المتبادل بين إيران وكل من واشنطن وتل ابيب، وكذلك التطورات الجارية على الحدود الجنوبية اللبنانية وفي سوريا، سواء في جنوبها او شرقها او على حدودها، وهذه كلها قد تؤثر على مسار الأحداث في لبنان.
إنتاج تسوية
وتوقّعت مصادر ديبلوماسية معنية بالملف اللبناني عبر «الجمهورية»، تكثيفاً للتحركات السياسية في المرحلة المقبلة، بهدف إنتاج تسوية توفّر على لبنان مغامرة عسكرية جديدة قد تلجأ إليها إسرائيل، في موازاة النزاع الدائر مع إيران. وهذه التحركات بدأت تطلّ ملامحها في الأيام الأخيرة، من خلال العودة المفاجئة لنشاط اللجنة الخماسية. والهدف الأساسي سيكون فصل الملف اللبناني عن ملف طهران. ويتردّد أنّ الجانب الإسرائيلي يتعاطى بإيجابية مع هذه الحركة، ولكن بكثير من الحذر. فالفصل بين ملفي «حزب الله» وإيران هو حاجة أساسية لتسهيل مهمّة نزع السلاح المطلوبة بإلحاح، ولكن، في الوقت ذاته، يدرك الإسرائيليون أنّ «الحزب» لا يبدي أي استعداد واقعي للتقدّم نحو تحقيق هذا الهدف، بمعزل عن موقف إيران ومدى انخراطها في هذا الملف. والكلام الذي أطلقه الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم أخيراً واضح في هذا الاتجاه.
وتعتقد المصادر أنّ الفرصة الحقيقية المتاحة لإمرار القطوع في لبنان هي الإفادة من انشغال إيران بنفسها، في هذه الفترة، لإنتاج تسوية داخلية تمنح «حزب الله» والمكوّن الشيعي عموماً حداً معيناً من الضمانات السياسية، من داخل الصيغة الحالية لاتفاق الطائف أو بعد إدخال تعديلات عليها، ما يمنحه مقداراً من الاطمئنان لكي يتخلّى عن السلاح شمال الليطاني، سواء بتسليمه فعلاً إلى الجيش أو بوضعه في حال احتواء كامل، وبضمانة من لجنة «الميكانيزم»، بحيث يمكن إقناع إسرائيل بجدّية هذا المخرج. ويتردّد أنّ اتصالات جارية عبر وسطاء مع معنيين من داخل «الحزب» حول المخرج السياسي والأمني المحتمل. وربما تتبلور النتائج في موازاة الوقائع التي سيفرزها ملف الصراع بين الولايات المتحدة وإيران.
إلى دافوس
في هذه الأثناء، غادر وزير المال ياسين جابر إلى دافوس في سويسرا، للمشاركة ضمن وفد سيرأسه رئيس الحكومة نواف سلام في الاجتماع السنوي الـ56 للمنتدى الاقتصادي العالمي الذي ينعقد من 19 إلى 23 كانون الثاني تحت شعار «روح الحوار»، والذي يجمع قادة العالم لمناقشة تحدّيات عالمية ملحّة مثل النزاعات الجيوسياسية والذكاء الاصطناعي والتحول في الطاقة وتحقيق النمو المستدام مع التركيز على التعاون لمواجهة الانقسامات العالمية. ومن المنتظر أن يحضر هذا المنتدى الرئيس الأميركي دونالد ترامب وعدد من المسؤولين الكبار في إدارته.
رسالة البابا
في غضون ذلك، بعث البابا لاوون الرابع عشر أمس برسالة إلى البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، جاء فيها: «غبطة البطريرك الجزيل الوقار الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي بطريرك إنطاكيا للموارنة ورئيس مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان، تحية أخوية في الرب يسوع». وقال: «يسرني أن أوجّه إلى غبطتكم تحيتي الأخوية مصحوبة بأطيب الأماني، راجياً أن تكونوا وجميع الشعب المؤمن ثابتين في الإيمان لمواجهة كل الصعاب، بعد شكر الله الذي سمح لي بعنايته الإلهية أن ألتقي بكم خلال الزيارة الرسولية إلى لبنان، أشكركم صاحب الغبطة واشكر جميع رؤساء الكنيسه الكاثوليكية والأساقفة والكهنة والرهبان والراهبات والجماعة المسيحية في لبنان على استقبالكم الحار وترحيبكم الصادق، وأشكر لكم كل ما عملتموه من أجل إنجاح هذه الزيارة. فقد اعددتموها ورافقتموها بالصلاة ورحبتم بي بمودة، دليلاً على الشركة الحقيقية مع كرسي بطرس. ما زلت أحمل في قلبي ذكرى اللقاءات، وأوقات الصلاة المؤثرة، التي جمعتنا في صلاة واحدة من أجل لبنان الصامد في وجه العواصف».
وأضاف البابا: «في هذه الأيام التي أمضيتها بينكم، شعرت عن قرب بآلام شعب لبنان وتحدّياته، وسمعت ايضاً اصواتاً فيها محبة ورجاء وعزاء. ويعود الفضل في ذلك إلى رعاية غبطتكم الأبوية، وإلى قرب الكنيسة عامة بأساقفتها وكهنتها ورهبانها وراهباتها وكل مؤسساتها، من المؤمنين الموكولين إلى رعايتكم معاً، فترعونهم وتساندونهم لمواجهة الصعاب اليومية. في الحقيقة، استطعت أن أرى وألمس لمس اليد أنّ الكنيسة في لبنان حيّة، وأنّ المسيح حاضر في شعبه المؤمن، الذي يستمد قوته منه، ليكون نوراً يضيء في هذا البلد وخارجه. لتكن شهادة قديسي لبنان، التي صقلتها الشدائد وقوتها خبرة الحياة، رسالة حية، تعلن أنّ لبنان هو رسالة إيمان ورجاء ومحبة لجميع أجياله». وختم: «حفظكم الله صاحب الغبطة، وواصل عمل الروح القدس فيكم، لتكونوا بين إخوتكم بطاركة الشرق والأساقفة والكهنة والمؤمنين، صورة حية للسيد المسيح. أتمنى لغبطتكم كل خير وبركة، وأرافقكم بصلاتي، أدام الله عطاءكم وأغدق عليكم جزيل نعمه».
الراعي
وقال الراعي في عظة الاحد من بكركي أمس: «انّ لبنان اليوم بحاجة إلى رجال ونساء يشبهون يوحنا في جرأته، وأندراوس في أمانته، وبطرس في استعداده للتغيير. بكلمة صادقة يمكن أن يُنقذ وطن. بشهادة نقيّة يمكن أن يُفتح أفق. حين تكون النيات صافية، والخلفيات نظيفة، تصبح الشهادة قوة فاعلة في المجتمع. وطن يجمع الكل لا يُبنى بالقهر، بل بالشهادة؛ لا بالإقصاء، بل بالإشارة إلى الطريق الصحيح، طريق الحقيقة، طريق الكرامة، طريق الخلاص». وأكّد الراعي انّ «لبنان يحتاج إلى من يشهد له لا بالكلام فقط، بل بالموقف، بالالتزام، بالمسؤولية، وبالإيمان بأنّ هذا الوطن، رغم جراحه، قادر أن يقوم إذا وُجد من يدلّ عليه كما دلّ يوحنا على المسيح».
التصعيد جنوباً
جنوباً، تواصل التصعيد الإسرائيلي وعدم التزام اتفاق وقف إطلاق النار. حيث أعلن الجيش الإسرائيلي أنّه أطلق النار مساء امس في اتجاه مشتبه فيه لبناني اقترب من السياج الحدودي، مؤكّدًا «أنّ العملية ما زالت مستمرة».
وكان سُجّل في أجواء بعلبك الهرمل، مساء تحليق للطيران الحربي الإسرائيلي. فيما أطلقت القوات الإسرائيلية 4 قذائف من موقع الراهب في اتجاه أطراف بلدة مارون الرأس، ترافقت مع تمشيط بالأسلحة الرشاشة في اتجاه أطراف بلدة الضهيرة الحدودية في القطاع الغربي.
وكانت قوّة إسرائيلية فجّرت ليل امس الأول منزلَين في بلدة العديسة الحدودية بعد توغلها من موقع مسكاف عام. كذلك فجّرت قوّة أخرى منزلاً بعد توغّلها من موقع المطلة، علماً أنّ عدداً من المنازل والبنى التحتية في هاتَين البلدتَين مدمّرة أو متصدّعة خلال الحرب الإسرائيلية على لبنان.
وإلى ذلك، اعلنت رئيسة مكتب الإعلام العربي في الجيش الإسرائيلي المعروفة باسم «كابتن إيلا»، أنّ «قوّات الوحدة متعدّدة الأبعاد تستكمل مهمّتها في جنوب لبنان». وأشارت في تصريح، إلى أنّ «قوّات الوحدة، تحت قيادة الفرقة 91، عملت خلال الشّهرين الأخيرَين لمنع تمركز «حزب الله» في منطقة جنوب لبنان»، زاعمةً أنّ «خلال نشاطها، انشغلت الوحدة في جمع المعلومات الاستخباراتيّة، رصد بنى تحتيّة معادية، توجيه النّيران، تقديم المساعدة للقوّات البرّيّة والجوّيّة في تدمير بنى تحتيّة وتحييد عناصر تابعين لحزب الله».



