التعاون الإيراني مع لبنان .. عرض مسموم على طاولة بلد منهار

كتب محمد علوان لقلم سياسي،
ما طرح في بيروت على لسان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ليس تعاوناً اقتصادياً، بل محاولة استثمار سياسي في بلد فاقد المناعة.
في السياسة لا أحد يوزع حلولاً مجانية، ولا أحد يمد يده لإنقاذ غريق وهو نفسه يختنق.
وكل من يحاول بيع اللبنانيين فكرة أن إيران جاءت لتساعد اقتصادهم إما ساذج أو شريك في تضليل متعمد.
لبنان اليوم ليس في موقع تفاوض.
بلد مكسور بكل المقاييس، عملة بلا قيمة، دولة بلا قرار، ومجتمع يعيش على ما تبقى من التحويلات والمساعدات.
وفي هذا المشهد يصبح أي عرض خارجي مغرياً فقط لأنه موجود لا لأنه صالح.
وهنا تحديداً يكمن الخطر حين تتحول الحاجة إلى مدخل للكمائن لا إلى حلول.
لكن إيران التي تقدم نفسها اليوم شريكاً اقتصادياً تعيش واحدة من أسوأ أزماتها منذ عقود.
اقتصادها ينهار ببطء تحت العقوبات، التضخم يلتهم الطبقات الوسطى، الشارع يغلي، والنظام يبحث عن أي نافذة يثبت عبرها أنه لا يزال لاعباً قادراً على المبادرة.
وهنا الحديث عن تعاون اقتصادي مع لبنان ليس دليلاً على القوة بل دليل حاجة إيرانية موازية وربما أشد إلحاحاً.
لهذا السبب يصبح الاستثمار خارج الحدود أداة سياسية صافية، ليس هدفه إنعاش الاقتصاد اللبناني، بل توسيع مساحة النفوذ وتسجيل نقاط في معركة إقليمية مفتوحة، وإرسال رسالة للداخل الإيراني بأن الدولة لا تزال تمد أذرعها حتى لو كانت هذه الأذرع تمتد فوق أنقاض دول أخرى.
المشكلة أن لبنان كالعادة يستخدم ولا يختار.
لا استراتيجية اقتصادية، لا سياسة خارجية، لا دولة قادرة على التفاوض.
كل ما هنالك سلطة عاجزة، وساحة مفتوحة، وخطاب يبرر القبول بأي شيء تحت عنوان “ما عنا خيارات”.. وهذا هو المنطق نفسه الذي أوصل البلد إلى الانهيار وهو نفسه الذي يعاد تدويره اليوم بلا خجل.
أي تعاون اقتصادي مع إيران ليس قراراً تقنياً ولا يمكن تسويقه على هذا الأساس.
هو قرار سياسي بامتياز يحمل كلفة مباشرة على علاقات لبنان العربية والدولية وعلى ما تبقى من فرص دعم أو استثمار أو ثقة. البلد الذي يعيش على مساعدات الخارج لا يملك ترف الدخول في شراكات تضعه في مواجهة المجتمع الدولي إلا إذا كان قرر الانتحار الاقتصادي الكامل.
الأخطر أن هذا النوع من الطروحات يعيد تكريس أخطر فكرة دمرت لبنان.. ربط الاقتصاد بالمحور، وتحويل لقمة العيش إلى أداة نفوذ.
وحين يصبح الوقود أو الدواء أو الكهرباء مشروطاً بالولاء السياسي نكون قد خرجنا نهائياً من منطق الدولة ودخلنا منطق الوصاية المقنّعة.
ليست المسألة عداء لإيران ولا دفاعاً عن الغرب ولا انحيازاً لهذا الطرف أو ذاك.
المسألة أبسط وأقسى.. لبنان يدفع به مرة جديدة إلى لعب دور الورقة الرخيصة في بازار إقليمي دموي فيما يطلب من اللبنانيين أن يصفقوا لأي عرض لأنهم جائعون.
البلد المنهار لا يحتاج إلى رعاة جدد بل إلى استعادة قرار.
وكل مساعدة لا تمر عبر دولة فعلية ولا تخضع لمعايير شفافة ولا تنطلق من مصلحة وطنية واضحة، هي مساعدة مسمومة مهما كان اسم الجهة التي تقدمها.
نحن لسنا في وقت النوايا الحسنة ولا في زمن اللغة الناعمة.
وبكل وضوح ما عرض على لبنان ليس خشبة خلاص بل اختبار قاس لقدرته على قول “لا” حين يكون ال”نعم” أسهل وأخطر.
وفي بلد اعتاد اختيار الأسهل دائماً الكلفة تكون دائماً أخطر.



