محليمقالات

صورة مشبوهة بين استفزاز إيراني وتصعيد إسرائيلي… الدولة تتبنّى القرار العسكري وشمال الليطاني بعد شباط

شكل مجموع القرارات العسكرية والحكومية وبيانات التبني والتأييد الرئاسية لقيادة الجيش اللبناني في تقويمه وموقفه من تنفيذ المرحلة الأولى من خطة حصرية السلاح في جنوب الليطاني، واقعياً، امتداداً ثابتاً لمسار جلسة مجلس الوزراء في الخامس من أيلول، التي تبنى فيها القرار السياسي الأعلى للدولة اللبنانية خطة الجيش الممركزة من دون التزام مهل زمنية، الأمر الذي تكرّر أمس في عدم التزام استباقي مهلة لتنفيذ المرحلة الثانية من الخطة في شمال الليطاني. وعلى رغم إيجابية التفاف أركان الدولة وغالبية مكوّنات الحكومة حول الجهود التي يبذلها الجيش والاتّكاء بوضوح إلى قرار حصرية السلاح المتخذ في جلسة الخامس من آب الماضي، فإن ذلك لم يحجب في المقابل المحاذير والمخاطر التي ستترتب داخلياً وخارجياً، وفي البعد المباشر إسرائيلياً، على تعليق مسالة الانتقال إلى شمال الليطاني بمهلة زمنية، بل إن إقرار الخطة للمرحلة التالية نفسها ظلت عالقة إلى شباط المقبل لطرحها على مجلس الوزراء. وإذا كانت إسرائيل لم تنتظر حتى إعلان مقررات مجلس الوزراء وبادرت إلى الردود بالجملة على بيان قيادة الجيش وإطلاق مزيد من التهديدات، فإن ما لم يمكن تجاهله داخلياً عودة تظهير التباينات داخل مجلس الوزراء، إذ بدا لافتاً هذه المرة أن القوى السيادية تحفظت عن عدم تحديد مهلة زمنية لحصر السلاح في شمال الليطاني، فيما اعترض “حزب الله” على الصيغة لأنها لا تلحظ حصراً إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للنقاط الحدودية ولا يعترف بحصر السلاح في شمال الليطاني. بذلك بدأ لافتاً أيضاً أن الدولة تبنّت التقويم والقرار العسكريين بدعم واضح من رئيس الجمهورية عشية ذكرى السنة الأولى على انتخابه، فيما كان من مظاهر التطور الحاصل أن كلاً من الرؤساء الثلاثة أصدر بمفرده بيان دعم لموقف الجيش ولو بخصوصيات كل منهم. ولا يخفى أن اركان السلطة يرصدون الآن رد الفعل الأميركي على الخلاصات التي انتهت اليها الساعات الماضية، إذ إن الموقف الإسرائيلي لا يحتاج إلى اجتهاد لمعرفة الاتجاهات التصعيدية التي تنوي إسرائيل إكمالها، فيما الرهان قد يكون على لجم أميركي للتصعيد الإسرائيلي إذا تبدّت معطيات مقنعة لدى الأميركيين لتمديد المهل أمام لبنان. ولكن الحضور المفتعل والمتعمّد في توقيته المشبوه لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في بيروت، ممعناً في الاستفزاز عبر إعلانه المضي في دعم ما يسمى مقاومة، لم يكن إلا ليرسم مزيداً من الشبهة حيال استخدام طهران لحليفها وذراعها في لبنان، في ما يشكل ذرائع جاهزة لمزيد من التصعيد الإسرائيلي.
إذن، في جلسته المطولة الأولى هذه السنة استمع مجلس الوزراء إلى تقرير قائد الجيش العماد رودولف هيكل حول خطة حصر السلاح في جنوب الليطاني، وخلص المجلس إلى “الدعوة إلى استكمال عملية حصر السلاح بالسرعة الممكنة” من دون تحديد مواعيد. وأفاد البيان الرسمي بأن “مجلس الوزراء اطّلع على عرض قيادة الجيش حول خطّة سحب السلاح، وأثنى على جهود الجيش في جنوب الليطاني لناحية سيطرته العملانية عليها واحتواء السلاح في شمال الليطاني وضبط الحدود ومنع التهريب ومكافحة المخدرات والإرهاب، وشدّد على مواصلة تنفيذ الخطة بمراحلها كافة بالسرعة الممكنة”. وتابع البيان: “ستعمل قيادة الجيش على إعداد خطة لسحب السلاح شمال الليطاني على أن تعرضها على مجلس الوزراء في شباط المقبل”.
وكان وزراء “القوات اللبنانية ” قبل أن يتحفظوا على صيغة قرار مجلس الوزراء قدموا اقتراحاً خلال الجلسة، لم يتمّ التوافق عليه وجاء فيه: “انطلاقاً من قرار مجلس الوزراء الصادر بتاريخ 5 أيلول 2025 المرتكز إلى الخطة الموضوعة من قبل قيادة الجيش اللبناني، يؤكد مجلس الوزراء دعمه الكامل للمؤسسة العسكرية، ويطلب من قيادة الجيش استكمال تنفيذ المراحل المتبقية من الخطة ضمن مهلة زمنية تنتهي في 31 آذار 2026، بما يرسّخ سلطة الدولة ويحفظ السيادة والأمن والاستقرار”. وقال وزير العدل عادل نصار بدوره بعد الجلسة: كان تأكيداً على كل مراحل خطة الجيش وتطبيقها بأسرع وقت ممكن، وتحفّظنا مع “القوات” هو أننا كنا نريد أن تكون العملية أسرع”.
وكان الجيش مهّد لتقريره ببيان صدر عنه صباحاً، تحدث فيه عن عقبات أبرزها قدرات الجيش واستمرار الاحتلال والخروقات الاسرائيلية، وجاء فيه: تنفيذًا لقرار مجلس الوزراء اللبناني الصادر بتاريخ 5 آب 2025، يؤكد الجيش التزامه الكامل بتولي وممارسة المسؤولية الحصرية عن حفظ الأمن والاستقرار في لبنان، مع سائر الأجهزة الأمنية، ولا سيما في منطقة جنوب نهر الليطاني… ويؤكد الجيش أنّ خطته لحصر السلاح قد دخلت مرحلة متقدمة، بعد تحقيق أهداف المرحلة الأولى بشكل فعّال وملموس على الأرض. وقد ركّزت هذه المرحلة على توسيع الحضور العملاني للجيش، وتأمين المناطق الحيوية، وبسط السيطرة العملانية على الأراضي التي أصبحت تحت سلطته في قطاع جنوب الليطاني، باستثناء الأراضي والمواقع التي لا تزال خاضعة للاحتلال الإسرائيلي. ويشير الجيش إلى أنّ العمل في القطاع ما زال مستمرًّا، إلى حين استكمال معالجة الذخائر غير المنفجرة والأنفاق…”.
على الاثر، أصدر رئيس الجمهورية جوزف عون بياناً، قبل انتهاء جلسة مجلس الوزراء، أعلن فيه “دعمه الكامل” للبيان الصادر عن قيادة الجيش، وشدّد على أن “تثبيت الاستقرار المستدام يبقى مرتبطًا بمعالجة القضايا العالقة والتي تعيق بسط سلطة الدولة بصورة كاملة، وفي مقدّمها استمرار الاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من الأراضي اللبنانية، وإقامة مناطق عازلة داخلها، إضافة إلى الخروقات الاسرائيلية المتواصلة للسيادة اللبنانية برًا وبحرًا وجوًا”. كما أكد “التزام لبنان بتطبيق اتفاق وقف الأعمال العدائية، ودعا المجتمع الدولي، لا سيّما الدول الشقيقة والصديقة إلى مساعدته لتطبيق الاتفاق المذكور”.
بدوره، أصدر رئيس مجلس النواب نبيه بري بياناً، أيد فيه “البيان الصادر عن قيادة الجيش اللبناني وإنجازاته التي كادت تكون كاملة لولا احتلال إسرائيل لنقاط عديدة وللخروقات اليومية من قصف وتدمير ومن العوائق التي تضعها في طريق الجيش”. وأضاف، “أن الجنوب أكد ويؤكد أنه متعطش لوجود جيشه وحمايته. أخرجوا من أرضنا وغادروا سماءنا وكفى الله المؤمنين شر القتال”.
وبعد جلسة مجلس الوزراء، قال رئيس الحكومة نواف سلام في بيان: أثمّن عاليًا الجهود الكبيرة التي بذلها الجيش اللبناني، في الانتهاء من المرحلة الأولى من خطته لتنفيذ قرار الحكومة القاضي بحصرية السلاح وبسط سلطة الدولة بقواها الذاتية على كامل الأراضي اللبنانية. وأؤكّد الحاجة الملحّة إلى دعم الجيش اللبناني لوجستيًا وماديًا، بما يعزّز من قدراته على تنفيذ المرحلة الثانية من الخطة الممتدة بين نهر الليطاني ونهر الأوّلي، والمراحل التي تليها، في أسرع وقت. كما أؤكّد أنّ تثبيت عودة الأهالي إلى منطقة جنوب الليطاني يُعدّ أولوية بعد إنجاز أهداف المرحلة الأولى، وعلى هذا الأساس ستسرّع الحكومة عجلة إعادة الإعمار في الجنوب خلال الأسابيع المقبلة بعد موافقة مجلس النواب على القرض من البنك الدولي المخصّص لذلك”.
أما الرد الإسرائيلي، فجاء عبر مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي اعتبر “أن الجهود التي تبذلها الحكومة الللبنانية والجيش لنزع سلاح حزب الله مشجعة لكن غير كافية”. وقال: “اتفاق وقف النار مع لبنان ينص على نزع سلاح حزب الله بالكامل، وهو أمر بالغ الأهمية لأمننا ومستقبل لبنان”. وأضاف: “هناك جهود لإعادة تسليح حزب الله بدعم إيراني”. أما الجيش الإسرائيلي، فأوضح أنّ “حزب الله لا يزال موجوداً جنوب الليطاني”. وقال ردًا على الجيش اللبناني بحصر السلاح جنوب الليطاني: “لا يتماشى مع الواقع”.
إلى ذلك، اعتبرت صحيفة “معاريف” الإسرائيلية، أنّ قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يقدّم رواية “غير صحيحة”، كاشفة عن أن إسرائيل تستعد لإطلاق تحرّك واسع النطاق يستهدف الساحة اللبنانية والمجتمع الدولي.
وبموازاة الحدث الحكومي والعسكري، برز تطور مالي استثنائي أمس، تمثّل في خطوة حاكم مصرف لبنان كريم سعَيد بالكشف عن سلسلة من الإجراءات القانونية والدعاوى والمسارات القضائية الحاسمة التي باشر بها مصرف لبنان، والتي سيواصل متابعتها في لبنان وخارجه “لاسترداد أموال من أشخاص أساؤوا استعمال وظيفتهم وخالفوا واجب الأمانة والعناية والولاء لمهامهم، أكانوا في مصرف لبنان أو كانوا شاغلين مناصب في مصارف خاصّة أو في مكاتب إستشاريّة وانتهكوا القوانين والأنظمة التي تحكم عمل المصرف المركزي، بهدف وحيد وهو الإثراء غير المشروع”. وأعلن أن مصرف لبنان تقدم بشكوى جزائية بحق مسؤول سابق في مصرف لبنان الحاكم السابق رياض سلامة من دون تسميته، وكذلك بحق شخص طبيعي مصرفي سابق، وليس بحق أي مصرف، “وهو شكّل بأفعاله استثناء ًعن العاملين في هذا القطاع الذي يرعاه ويصون حقوقه وموجباته مصرف لبنان حصراً. وقد تمت عملية التدوير والاستيلاء على أموال مصرف لبنان عن طريق إنشاء أربع شركات وهمية في الخارج وتحديداً في جزر الكايمان، والتي أسفرت في نهاية المطاف إلى إثراء غير مشروع لهذين الشخصين المدّعى عليهما، وغيرهم من أشخاص التي سيكشفها التحقيق القضائي تباعاً.

المصدر
النهار


iPublish Development - Top Development Company in Lebanon

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى