ولاية الوهم: قراءة سياسية في مشروع حزب التحرير

يعود الحديث عن مشاريع الدولة العقائدية كلما فشل الواقع القائم في إنتاج أفق سياسي واضح المعالم، غير أن الفارق بين الفكرة التي تتحول إلى كيان سياسي فعلي، وتلك التي تبقى معلّقة في فضاء الخطاب، لا يكمن في عدالة القضية أو ظلمها، بل في المنهج الذي يحوّل الفكرة إلى واقع. في هذا الإطار، تبرز تجربة حزب التحرير بوصفها نموذجًا لحركة سياسية ترفع غاية كبرى ذات مشروعية دينية وتاريخية في الوعي الإسلامي، لكنها لم تنجح حتى اليوم في الانتقال من مستوى الطرح إلى مستوى الدولة، ما يفتح باب المقارنة مع تجارب أخرى، نجحت في تحويل أفكارها إلى كيانات سياسية قائمة، رغم افتقارها إلى أي مشروعية أخلاقية أو تاريخية.
لا يندرج هذا التناول في سياق التشهير أو نفي الغاية التي يتبنّاها حزب التحرير، بل في إطار مقاربة سياسية تميّز بين عدالة الفكرة وفاعلية المنهج. فالحزب، منذ تأسيسه، يقدّم نفسه كمشروع عابر للحدود يسعى إلى إعادة إقامة الخلافة الإسلامية، معتبرًا أن غياب الدولة هو أصل الخلل في واقع المسلمين، وأن قيامها يشكّل المدخل الطبيعي لإعادة تنظيم المجتمع وتطبيق الشريعة. غير أن هذا الطرح، على تماسّه مع تطلّع واسع داخل المجتمعات الإسلامية، يصطدم بإشكالية مركزية تتعلق بآليات الوصول إلى الدولة، وبمدى جاهزية البيئة الاجتماعية والسياسية لحمل هذا المشروع.
في المقابل، ورغم الطابع الاستيطاني والعنصري للمشروع الصهيوني، لا يمكن إغفال حقيقة أنه تعامل مع فكرة الدولة باعتبارها مسارًا سياسيًا طويل الأمد، لا مجرّد إعلان أيديولوجي. قبل قيام دولة الاحتلال، خاضت الحركة الصهيونية ما يمكن توصيفه بـ«الاستيطان الفكري»، عبر إعادة تشكيل الوعي الجمعي، وبناء سردية جامعة، وتوحيد المرجعية السياسية، وإنشاء مؤسسات تعليمية واقتصادية وإعلامية سبقت الكيان نفسه. لم تُعلن الدولة ثم يُبحث لاحقًا عن مضمونها، بل جرى إعدادها ذهنيًا وتنظيميًا قبل تثبيتها جغرافيًا، ما سمح لها بالتحرّك كدولة مكتملة الوظائف منذ لحظة إعلانها.
على الضفة المقابلة، يظهر مشروع حزب التحرير وكأنه يتحرّك بمنطق معاكس، حيث تُقدَّم الدولة بوصفها نقطة البداية، فيما تُترك عملية بناء الوعي السياسي والاجتماعي في مرتبة لاحقة أو ثانوية. ينعكس ذلك في طبيعة الخطاب وأدوات العمل، التي غالبًا ما تبقى محصورة في دوائر محددة، وتعتمد على التعبئة الموسمية عبر المنشورات والبيانات، التي تُوزّع بعد صلاة الجمعة تحديدا لكثافة المصلين دون غيرها من الصلوات، دون اختراق فعلي للمجال العام الأوسع أو بناء حضور سياسي متجذّر في مختلف شرائح المجتمع. هذا النمط من العمل، مهما بلغ من الانضباط التنظيمي، يبقى عاجزًا عن إنتاج قاعدة اجتماعية واعية قادرة على تحمّل تبعات مشروع بحجم الدولة.
تكمن المفارقة هنا في أن فكرة تفتقر إلى أي حق تاريخي أو أخلاقي نجحت في التحوّل إلى دولة لأنها أُديرت كسياسة واقعية تراكمية، فيما تبقى فكرة تمتلك شرعية دينية في الوجدان الجمعي حبيسة الخطاب لغياب المنهج القادر على تحويلها إلى واقع. فالدولة، في التجارب السياسية الحديثة، لم تكن يومًا نتاج إعلان فوقي، بل نتيجة مسار طويل من بناء الإنسان، وتوحيد المرجعيات، وصياغة تصور واضح للسلطة ووظيفتها وحدودها.
من هذا المنطلق، لا يبدو مأزق حزب التحرير مرتبطًا بصحة الغاية التي يطرحها، بل بغياب تصور عملي يربط بين الفكرة وشروط تحققها. فحين يُطرح مشروع الدولة بمعزل عن واقع مجتمعي يعاني من تشتت سياسي وضعف في الوعي العام، تتحول “الولاية” إلى توصيف رمزي أكثر منها كيانًا قابلًا للحياة. وعندها، لا يعود النقاش حول الخلافة نقاشًا في المستقبل، بل في أسباب بقائها مؤجّلة بين النص والواقع، وبين الشعار والسياسة.



