
كتب عمر بلح لقلم سياسي،
إن التطورات الأخيرة في فنزويلا، بمختلف أبعادها العسكرية والسياسية والدولية، تُعيد إلى الواجهة سؤالًا محوريًا لطالما حكم فهمنا السياسي للتاريخ والدولة: ليس التاريخ مجرد تسجيل للوقائع، بل هو نتاج الطرف القادر على فرض روايته على المجتمع الدولي والمحلي. ففي اللحظة التي يمتلك فيها طرف ما القدرة العسكرية على فرض مشهده السياسي، يتحول هذا المشهد تلقائيًا إلى مشهد مهيمن في الوعي الجماهيري، ويتبدّل من واقعٍ معقّد إلى “حقيقة مفروضة” على دفاتر التاريخ، وعلى الشعوب التي تُكتب عنها وليس لها كلمة تُذكر.
لقد بدا واضحًا في التصريحات الرسمية وعمليات التغطية الإعلامية أن سردية ما جرى في فنزويلا لا تُقدَّم كوقائع محايدة بقدر ما تُقدَّم من زاوية المنتصر بالقوة. ففي معركة السيطرة على السلطة، لا تلعب القوة العسكرية دورها في ساحة الاشتباك وحدها، بل تلعب دورًا مضاعفًا في استباق تفسير الحدث قبل أن يُستوعب من قبل الشعوب. وبموازاة العمليات الميدانية، نجد أن السرد السياسي حول هذا الحدث قد أُطرَّ بعناوين جاهزة: “استعادة الديمقراطية”، “تحرير الشعب”، “محاربة الفساد”، وغيرها من المصطلحات التي تُغطي الوقائع بصياغة لاتُتيح للمهزوم أن يضيء جانبه في متن الواقع. فالتاريخ هنا لا يُسجَّل، بل يُصاغ من موقع القوة التي فرضت الأحداث نفسها.
القوة العسكرية، في هذا السياق، ليست مجرد أداة لحسم المعارك، بل هي أداة لإعادة تعريف المعنى السياسي. الطرف الذي يسيطر على المشهد الميداني يسيطر في الوقت نفسه على المعجم السياسي: من هو الشرعي، ما هو الانقلاب، من يستحق التمثيل ومن يُهمَّش، وما هي القيم التي يُفترض أن تُنسب إليها السياسة. بهذا المعنى، لا تُعرَّف الأشياء بحقيقتها الموضوعية، بل تُعرَّف بما يخدم مصالح القوة المهيمنة. وما يُنشر عن فنزويلا اليوم ليس مجرد تقرير عن أحداث، بل إعادة تشكيل للوعي بشأن ما حدث، قوامها أن من يملك السلاح يملك القدرة على صياغة السرد الأول والأخير.
وهنا يظهر تقاطع حاد بين مرتكزَي القوة والكلمة: كلما ارتفعت قدرة طرف ما على الحسم العسكري، ارتفعت فرصته في تحديد الخطاب السياسي المتداول. التاريخ ليس كتابًا يوثّق أحداثًا بعد أن تقع فقط؛ بل هو ساحة صراع تُستكمل فيها المعركة من خلال الكلمة التي تُفرض على الجماهير، وتُمنَح صفة الوقائع الراسخة. ومن يُسيطر على آليات التعبير — إعلاميا ودبلوماسيا وسياسيا — يكون في موقع يكتب ما بعد الحدث، بل أحيانًا يكتب الحدث ذاته بعباراته الخاصة.
في هذا السياق يصبح واضحًا أن التاريخ السياسي لا يُكتب منزوِعًا عن بنى القوة التي تُحركه. فالطرف الذي يمتلك القوة العسكرية ليس فقط قادراً على استعادة مناطقه أو ترجيح كفتها، بل قادر أيضًا على سلب قدرة الطرف المقابل على أن يروي أحداثه وفق معرفته وظروفه. وهذا ما يُترجَم عمليًا في إعادة تسمية الوقائع وتغليفها بمفاهيم مُهيمنة في الخطاب الدولي، قبل أن تُمنح الفرصة لأي قراءة بديلة تتجاوز وصفة القوة. وفي اللحظة التي تُستبعد فيها رواية الأطراف الأخرى من دائرة إنتاج المعنى، يصبح التاريخ ليس سجلاً حياديًا بل أداة لصياغة الشرعية والمعنى السياسي، مُتاحة فقط لمن يمتلك القدرة على فرضها.
هذا هو الاعتبار الأعمق الذي يجب وقفه عند قراءة حدث مثل فنزويلا اليوم: ليس المهم فقط من يسيطر على الأرض، بل من يسيطر على المعنى. ومعنى المعركة هنا لا يُستكمل فقط على جبهات الصراع المادي، بل في المنصات التي تستدرج الوعي الجماهيري الدولي والمحلي إلى قبول رواية واحدة كحقيقة غير قابلة للنقاش. أما الحقيقة الكاملة، فتظل رهن من يملك المعنى بعد أن يفرض الواقع.


