سياسةمحليمقالاتمقالات خاصة

عندما يكون الخطر السوري “غب الطلب”

كتب الصحافي جلال قبطان لقلم سياسي

عراضات إعلامية على غرار كرة الثلج تتدحرج اليوم في مواجهة “الغول” الذي اسمه النازح السوري. فقد لا يمر يوم دون سماع الاخبار عن مداهمة هنا أو تفكيك مخيم هناك، إلا أن الأنكى من ذلك هو تزايد ظاهرة حضور نواب وسياسيين لمسرحيات القمع التي تمارس بحق السوريين، لا لضمان سير العملية ضمن الاصول القانونية والانسانية، إنما من باب تسجيل الحضور الشعبوي خصوصا بين شخصيات القطبين المسيحيين الاكبر (التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية).

السباق بين الطرفين تحول إلى حفلة للزجل السياسي، وتسجيل النقاط مرتبط بالقدرة على إظهار التضييق العنصري أكثر فأكثر حول رقاب مجموعة من البشر لا حول ولا قوة لها، والترويج لنظرية “الحق على الغريب” وأن الخلاص منهم سيعيد لبنان سويسرا الشرق بطرفة عين.

ولكن قبل الحديث تداعيات النزوح السوري الذي يشبه أي مشكلة طارئة تواجه المجتمعات، يجب العودة إلى تفنيد الأساسات السليمة التي يجب أن تبنى عليها الأوطان، فمن غير المنطقي تركيز الجهد على ترتيب الحديقة وداخل المنزل مهترئ ومنهار.

نبدأ مع النسيج الاجتماعي، لبنان للأسف عبارة عن خليط مجتمعي غير متجانس، الولاء فيه للطائفة ثم الدين ثم المنطقة لتصل إلى الحي والزاروب، دون أن تجد من ينتمي حقا إلى لبنان الـ 10452 كم سوى قلة قليلة وأغلبهم بات يعيش في عزلة وحالة يأس من أي اصلاح حقيقي أقله في المدى المنظور، ولا يمكنني سوى تذكر توصيف أحد أساتذتي في كلية العلوم السياسية خلال الحديث عن لبنان أنه “بقعة جغرافية فيها مجموعة من البشر لا يربطهم شي”.

انطلاقا من هذا التوصيف سنجد أن دخول مجموعات كبيرة من السوريين إلى لبنان بات أشبه بالذئب الذي ابتلع سكينا، ليس باستطاعته بلعه ولا بصقه، وهنا المسؤولية لا تقع على هؤلاء الفارين من آلة البطش في دمشق، إنما على من فتح لهم الابواب بصورة عبثية سواء من باب المناكفة السياسية أو من باب الطمع في مزاريب الاموال الأممية التي ستلحق هؤلاء الأشخاص. الحديث هنا تحديدا عن المناطق المسيحية التي أيقظها اليوم أحزابها السياسية على حقيقة انها لا تستطيع التعايش مع هؤلاء “الغرباء” عنهم ثقافة ودينا، بعد سنوات من النوم كان فيها المحسوبين على هذه الاحزاب يراكمون الأموال الأممية من خلال الصفقات والـ NGO ، ولعل هذه الاستفاقة المتأخرة سببها تراجع المردود المالي الدولي لهذه الأطراف.

بالانتقال إلى الشق الأمني، كيف يمكن إلقاء اللوم الكامل على النازحين بارتفاع معدل الجريمة والفلتان الأمني في بلد يحتاج فيه توقيف سارق صغير إلى غطاء سياسي وطاولة حوار وطني جامع، دون تناسي الدور الرئيسي للسلاح خارج إطار الدولة في القضاء على أي هيبة محتملة للأجهزة الأمنية على أرض الواقع.

واذا حوّلنا جدلا هذه الأزمة إلى مسألة حسابية، سنجد أن أبسط قواعد النسبة والتناسب توضح كيف أن تضاعف أعداد السكان سيضاعف عدد كل ما حوله ومن ضمنها الجرائم، ناهيك عن الانهيار الاقتصادي والبطالة اللذان دفعا بالكثيرين إلى سلوك طريق الجريمة.

بالمحصلة، حديثنا هنا ليس لتصوير السوريين كملائكة، فهم بالنهاية بشر وفيهم الصالح والطالح، والعديد منهم قد يكون منخرطا بأنشطة تضر بالبلد المضيف على الصعيدين الأمني والاقتصادي، الا أن المؤكد أن ملف النزوح السوري ليس أصل المشكلة، إنما مجرد فرع غليظ نما على شجرة فاسدة تمتص كافة مقدرات هذا البلد، إلا أن الحل الأسهل هو رمي المسؤولية على “الغريب”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى