مقالات خاصة

لبنان، الباحة الخلفيّة للمخلّفات الإيرانية

علي الصاوي

“نحن لا نقول إننا جزءٌ من إيران، بل نحن إيران في لبنان، ولبنان في إيران” عبارة قالها القيادي البارز في “حزب الله” إبراهيم الأمين عام 1987 موضحًا الصورة الحقيقية لعلاقة الحزب بإيران، وأنه عبارة عن إيران صغرى داخل دولة لبنان.

تدهور داخليفي شوارع تملؤها نفايات كريهة تزكم رائحتها الأنوف، وبنية تحتيّة متهالكة، وحياة سياسية مضطربة واستقطاب طائفي حاد، تعيش لبنان حالة من الإهمال والتردي على كافة الأصعدة، بعدما تحوّلت إلى مقلب خلفي لسياسة طهران الطائفية ومتحدث رسمي باسم دولة الفقيه، لا تعرف إلى أي مذهب تنتمي، وفي أي طريق تسير.

حوادث تتبعها حوادث يغلب عليها طابع طائفي أكثر منها سياسي أو اجتماعي، تغذّي به الكثير من اللبنانيين، منذ أن سيّطر حزب الله على مفاصل الدولة وعمل على ترسيخ العنصرية كأسلوب تعامل مع كل مختلف معه في العقيدة والانتماء، فتمخض جيل من الشباب يرفض التعايش مع الآخر ولا يتورع من إيذائهم بألفاظ عنصرية أو اعتداءات إجرامية، وقد ظهر ذلك جليّا بعد موجة النزوح الأخيرة للشعب السوري، تلك الأزمة التي وضعت الشعب اللبناني في اختبار حقيقي سقط فيه كثيرون إنسانيا وأخلاقيا، فلا يمرّ يوم إلا وتزداد رياح العنصرية تجاههم وتدعو إلى طردهم وإثارة الشبهات حولهم، وكل هذا مردّه إلى أصل واحد، وهو هيمنة حزب الله على الحياة في لبنان وبث سمومه الطائفية والإجرامية التي هتكت بنية المجتمع الأخلاقية وزادت من حدة الاستقطاب السياسي والطائفي بين مختلف الفرقاء، والعمل على تغييب الشباب بإغراقهم في مستنقع المخدرات والإباحية، التي هي من ضمن مخططات طهران، لتتحول لبنان إلي وطن غريب عن محيطه العربي والإسلامي ليصبح خامة جاهزة للتشيّع وخدمة دولة الفقيه.

في مشهد يختصر بؤس الحياة في لبنان يظهر مقطع مصوّر في منطقة الضاحية الجنوبية لبيروت معقل حزب الله، لنهر الغدير وسطحه تعلوه تلال من النفايات، وهو يشق طريقه عبر الأحياء السكنية وقد حجبت النفايات رؤية مياه النهر، في صورة قبيحة تعكس مرارة الثمرة المُرّة التي جناها هذا البلد من وراء سياسة الحزب التي تمثل ترجمة حقيقية لسياسة طهران في لبنان، وهي القضاء على كل مظاهر الحياة والفضيلة، في بلد كانت درة تاج الوطن العربي في السحر والجمال، قبل اأن يُطلق عليها أحدهم قائلا: “صِرت تبولة الزبالة يا لبنان”.

في إحدى خطبه المعروفة بحماستها وعنتريتها الجوفاء قال “حسن نصر الله” يومًا في تصريحات هجومية على المملكة العربية السعودية: “نحن لا نتبع إيران ولا تتدخل بسياستها في لبنان، لكن السعودية هي من تتدخل في الشأن الداخلي بلبنان ونحن نرفض ذلك” لكن الرجل نسي القول القائل “إن كنت كذوبا فكن ذكورا” فقد فقال في خطبة أخرى قبل ذلك “قرار حربنا وسِلمنا بيد الولي الفقيه، إن أموالنا وسلاحنا وتدريبنا وكل ما عندنا من الجمهورية الإسلامية في إيران، وأنا جندي بجيش الوليّ الفقيه وأفتخر بذلك، وإننا نلتزم بأوامر قيادة واحدة حكيمة وعادلة، تتمثل بالوليّ الفقيه، وتتجسد حاضرا بالإمام المسدد آية الله العظمى روح الله الخميني مفجر ثورة المسلمين وباعث نهضتها المجيدة” وأضاف: “إن إيران تتحكم في القرار اللبناني وإنه تحت موافقتها”، هكذا قالها دون خُفية بل ويفخر بذلك أيضا.دولة داخل الدولةلم تشهد لبنان أن عاشت انهيارا داخليا بهذا الشكل منذ الحرب الأهلية، فبعد أن تدخلت إيران بأذرعها الطائفية داخل لبنان، تحت شعارات كاذبة مثل الدفاع عن القدس ومقاومة إسرائيل، وُجهت كل الطاقات نحو السيطرة السياسية على مفاصل الدولة بهدف نقل تبعيتها إلى المعسكر الإيراني، من أجل وضع اللبنة الأولى لمشروع الهلال الشيعي وخطة أم القرى التي تهدف إلى تصدير الثورة للعالم العربي والسيطرة عليه من أجل اكتمال الهلال الشيعي، فكان حزب الله النواة الحقيقية لهذا المشروع التوسعيّ، الخاسر الأكبر فيه هو لبنان بشعبه وموارده وحضارته.ففي مطار بيروت الذي يسيطر عليه حزب الله توقفت حركة المسافرين يوما واكتظت أعدادهم بالصالة الرئيسية داخل المطار، والسبب هو عطل في نظام الحقائب والركاب المغادرين عبر مطار بيروت ما أدى إلى تأجيل الرحلات وشلّ حركة المطار، وهذا يرجع إلى سيطرة الحزب على المطار لخدمة أعماله المشبوهة كتهريب السلاح والمخدرات عن طريق إيران، وقد أفصح عن ذلك أحد موظفي المطار في تسجيل له لم يعلن فيه عن هويته خوفا من بطش ميليشيات الحزب.

لم يكتف الحزب بإفساد الحياة الاجتماعية والأخلاقية في لبنان، بل لقد ساهم في تخريب الحياة السياسية أيضا فمنذ حادث اغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري عام 2005 المتورط في ارتكابه حزب الله بالتعاون مع النظام السوري، وقد أدانتهم محكمة لاهاي الدولية بذلك، لا يزال الحزب مستمرا في ترهيب المسؤولين بالقتل إن لم يخضعوا لرغبات الحزب وتنفيذ أوامره، فقد شهدت الانتخابات الأخيرة في لبنان سيطرة الحزب على سير عملية التصويت ما أدى إلى حدوث مخالفات عديدة وتزوير علني وتمديد عملية التصويت لساعات متأخرة في أكثر من دائرة بأمر من وزير الداخلية، لضمان حصوله على مقاعد أغلبية في البرلمان، ويكون له السبق في رسم ملامح المشهد السياسي بلبنان، وإضفاء شرعية على حركته المسلحة وخروقاته السياسية.هكذا سمّم الوجه الآخر لإيران الحياة في لبنان حتى وصلت إلى سوريا ومساندة النظام لقتل الشعب السوري ومطاردته في لبنان، عبر تحريك أدواته الإعلامية ومواليه من السياسيين، في بث روح الكراهية تجاه الوجود السوري بالداخل اللبناني، ففي بلد تلعب فيه التوازنات الطائفية دورًا كبيرًا في تشكيل نظامه السياسي، لم نعد نرى أي وجود سنيّ حقيقي يخلق نوعا من التوازن لضبط المشهد السياسي بلبنان، وإن كان هناك كيانات سنيّة فهي ليست إلا عبارة عن هياكل فارغة ليس لها وزن أو ثقل حقيقي قادر على منافسة حزب الله في سباق الحياة السياسية في لبنان، حتى آلت الأمور إلى سيطرته على الواقع السياسي حتى تحولت لبنان إلى دولة ضعيفة وهشّة، تعيش بين مطرقة حزب الله وسندان إيران.

-نشر بتاريخ ٢٢-٩-٢٠١٨

علي الصاوي

كاتب صحفي وروائي مصري رئيس تحرير موقع الشرق مؤلف كتاب ترانيم محب وصرخة قلم، ورواية إسطنبول 2020 "رواية بين دولتين"

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
إغلاق