مقالات

خطر سقوط الدستور والميثاق

في جلسة مسائية ضمت مجموعة من النخب الفكرية ومن الذين شغلوا ويشغلون مناصب عالية وحساسة في مؤسسات الدولة، جرى البحث حول اسباب انهيار الدولة، وحول ضرورة انتخاب رئيس للجمهورية يملك الرؤية، والقدرة على قيادة البلد للخروج بالسرعة اللازمة من الازمة الخانقة، في ظل الحراجة الراهنة والقائلة، بأنه لم يعد امام لبنان سوى اسابيع معدودة قبل تفكك الدولة، ولدرجة تجعل من اية مبادرة انقاذية «مهمة شبه مستحيلة».
كان من الطبيعي ان ينال نظام «الطائف» الجزء الاوسع من المناقشات، مع التشديد على نقطتين بارزتين: الاولى، تعزيزه لكيان الطوائف على كل المستويات، وهذا ما دفع بالمواطنين للتخلي عن فكرة المواطنة ودعم الدولة، والالتحاق بزعامات الطوائف، خدمة لمصالحهم الخاصة، والثانية انتزاع صلاحيات رئيس الجمهورية، وتكريس ثغرات دستورية، فتحت الباب امام اعتماد المحاصصة كوسيلة لتقاسم السلطة والنفوذ في مختلف مؤسسات الدولة، وتوزيع مغانمها على المتربعين من الطبقة السياسية على عرش السلطة. وخرج اصحاب هذا الرأي باستنتاج بأن التقاسمات والمحاصصات هذه شكلت السبب الرئيسي للانهيار.
وكان من الطبيعي ايضاً ان تنقسم آراء الحاضرين ما بين فكرة فشل نظام الطائف ودستوره في اقامة الدولة القوية والفاعلة، وفكرة الدفاع عن الطائف من خلال القول بأن الطائف لم يطبق، ولذلك لا يمكن القول بسقوطه وفشله، طالما انه لم يجرِ العمل على تنفيذ البند الاصلاحي الاساسي، والذي يدعو الى الانتقال من «الدولة الطائفية» الى الدولة «المدنية العلمانية» من خلال تشكيل اللجنة الوطنية لالغاء الطائفية السياسية. واثاروا ايضاً معضلة الفساد السياسي والمالي المسيطرة على الطبقة السياسية التي حكمت البلاد منذ اعتماد دستور الطائف، وما تسببت به من اضعاف وانهيار لمالية الدولة ولمؤسساتها السياسية والادارية والقضائية، ومنها الى تبديد موجودات النظام المصرفي وهدر اموال المودعين.
في هذا الجزء من النقاش جرى تغييب كل العناصر والتطورات التي شهدها لبنان والمنطقة، مع كل ما تركته من تداعيات أدت الى اضعاف الدولة اللبنانية، والحاق الاهتراء التدريجي بمؤسساتها، والى منع اي تطور فعلي وايجابي في الواقعين السياسي والاجتماعي، وبالتالي الى سقوط فكرة الدولة المدنية، وتعزيز الدولة الطائفية، ومن ثم الى زعزعة مؤسسات الدولة من خلال تعميم الفساد والمحاصصات بين قوى الطبقة السياسية الحاكمة.

وبدا واضحاً منذ بداية النقاش بأن البعض قد سعى الى اخفاء مسؤولية الوجود السوري في لبنان عن عدم تطبيق الطائف، بدءاً من خطوته لاستحضار قادة الميليشيات والقيادات المشاركة في «الحرب اللبنانية» لتولي كل مواقع السلطة والنفوذ، مع شرط انصياعها لكل التوجيهات والاوامر والمصالح السورية في لبنان.
كما اصر هؤلاء على نفي وجود اية مسؤولية على محور «الممانعة» وخصوصاً حزب الله، في حالة الانفلات السياسي والمالي التي وصل اليها البلد منذ عام 2005 وحتى اليوم. وذهب بعضهم الى الاجهار بدعمهم المستمر لسلاح المقاومة، معتبرين بأنه لولا هذا السلاح لما استطاع لبنان ان ينجح في عملية ترسيمه للحدود البحرية مع الدولة العبرية.

في الواقع يبدو ان هذا النقاش حول الطائف بات من الامور الشائعة بين اللبنانيين، حيث انقسم اللبنانيون الى فريقين، احدهما مؤيد للطائف وآخر معارض له، والآن بعد انهيار الدولة تحت تعميم آفة الفساد، وبعد الولائات الخارجية، والانقسام حول مفهوم السيادة، والادوار الاقلمية التي لعبها حزب الله، والتي ادت الى عزله لبنانياً عربياً ودولياً، خرج فريق ثالث للدعوة لاسقاط النظام الراهن، القائم على فكرة المركزية واستبداله بنظام فدرالي، يقسم لبنان الى «كانتونات» طائفية، في وقت يدرك فيه الجميع استحالة تشكيل «كونتونات» متجانسة طائفية بسبب الانتشار السكاني الراهن لمختلف الطوائف فوق كل الاراضي اللبنانية.
واللافت في الامر ان بعض دعاة النظام الفيدرالي يتناسون الخلافات الموروثة داخل الطوائف في المنطقة خاصة او حتى المدينة، والتي ستفتح الباب لحرب محلية حول العائلة او الفئة التي ستتولى الحكم المحلي، وتحوز على الجزء الاكبر من النفوذ والسلطة. ينسى هؤلاء الدعاة للفيدرالية المخاطر التي تشكلت دعواتهم على بقاء لبنان كدولة وكوطن في ظل التطورات الدراماتيكية التي تشهدها المنطقة، والتي باتت تشكل مخاطر تهديدات فعلية لمجتمعات اكثر تماسكاً من لبنان كسوريا والعراق واليمن والسودان وليبيا.

في رأينا لا بد ان ينطلق مثل هذا البحث من ان سبب العلة التي واجهتها الجمهورية والتي ادت الى حالة الانهيار الراهنة ينطلق من فشل اللبنانيين في اقامة دولة قوية، قادرة على فرض سلطتها وتحقيق سيادتها بوسائلها الذاتية، وبما يحقق لها الهيمنة المطلقة على كل الطوائف، او القوى الداخلية والخارجية التي تعتدي على وظائف الدولة وسيادتها على كامل اراضيها.
وفي عودة سريعة لشريط الاحداث والتطورات لا بد من الاعتراف بأن الدولة اللبنانية قد بدأت مسارها التراجعي في عام 1969 من خلال توقيع «اتفاق القاهرة» وخرق السيادة اللبنانية بالكامل من خلال تعميم الوجود المسلح الفلسطيني على جميع الاراضي اللبنانية. وبدأت بالفعل عملية اسقاط الدولة وتفكيك مؤسساتها بعد ايار 1973، والتي حضرت لاندلاع الحرب الداخلية والتي امتدت الى عام 1990، حيث انتهت باتفاق الطائف مع هيمنة كاملة للوجود العسكري السوري، والذي دام الى عام 2005، وخروج القوات السورية من لبنان.
لم يسمح السوريون خلال هذه الفترة من جمهورية الطائف بقيام جيش لبناني قوي قادر على حماية القرار الوطني المستقل وتحقيق السيادة على جميع الاراضي اللبنانية، بل ارادوه جيشاً ضعيفاً تابعاً لقواتهم ومساعداً لها في تحقيق المصالح السورية في لبنان، مع جميع الاجهزة الامنية الاخرى.
حلّ حزب الله مكان القوات السورية بعد انسحابها من لبنان، ومارس باستقلالية كاملة عن سلطة الدولة قرار السلم والحرب، حيث ظهر ذلك جلياً من خلال حرب 2006 مع اسرائيل ومن خلال تدخله الكثيف والساخر في الحرب السورية وهيمنته على الحدود اللبنانية بالكامل، ولا يمكن في هذا الاطار عن الاعتراف في الشأن الداخلي بتقدّم دويلة حزب الله على دولة الطائفة، بدءاً من انتخابات رئيس للجمهورية وتشكيل جميع الحكومات واقالتها، ووصولاً الى السيطرة على المؤسسات العامة وادارتها بواسطة موظفين يختارهم حزب الله.

لم تسمح هيمنة حزب الله بتنظيم وتسليح الجيش او في استقلالية الاجهزة الامنية، وذلك ضمن سياسة الحزب لاضعاف الدولة وتخليها عن وظائفها بغية اسقاطها، وهذا ما حدث بالفعل، ودون تجاهل مسؤولية الطبقة الفاسدة.
في ظل استمرارية سلاح المقاومة، وهيمنة حزب الله وفي ظل هذا الحوار العبثي والعقيم بين اللبنانيين لا يمكن توقع انتخاب رئيس الجمهورية في الزمن المنظور، كما انه لا يمكن توقع حصول اية عملية اصلاحية تؤدي الى قيام الدولة من جديد، وبالتالي انقاذ الطائف ودستوره والميثاق الوطني من السقوط، والى غير رجعة.

المصدر
العميد الركن نزار عبد القادر - اللواء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

خانة تجريبية للخبر العاجل

X