سياسة

معمودية الدجَّال

على مذبح الطائفة السنية تقدم القرابين، وفي نهرها يعمّد بعض الأشخاص لتخليصهم من ذنوبهم التي اقترفوها، ولكن بأيدٍ تلوثت بذنوب يصعب غفرانها، وتشارك في “معمودية الخلاص المزعوم” بعض القنوات التي تمثلت بصورة مسيلمة الكذاب منذ عقود.طالعنا منذ أيام بعض المحسوبين على السياسة في لبنان بدعم منقطع النظير للشيخ بهاء الدين الحريري، في مواجهة أخيه الذي حمل مشعل الطائفة منذ اغتيال والده الشهيد، بما في ذلك من نجاحات وإخفاقات لا بد منها لمن يتصدى للشأن العام، ورغم ما لبهاء الحريري من مكانة في وجدان اللبنانيين، إلا أن الدعم الذي تلقاه من هؤلاء يضع علامات استفهام كبرى حول ما يريدونه من الشيخ بهاء وما يريد بهاء من لبنان في هذا التوقيت بالذات، ما يفرز على ألسنة اللبنانيين سيلا من الأسئلة التي تفتقر لأجوبتها.فهناك من يسأل :أين كان بهاء وداعميه الجدد منذ خمسة عشر عاماً ؟وأين بهاء الحريري ومقدراته الإقتصادية الهائلة منذ بدأ لبنان بالترنح؟وأين بهاء منذ السابع عشر من تشرين؟ وما كان موقفه المعلن ؟والسؤال الأهم : لماذا هذا التوقيت بالذات؟ ومن يقف وراءه ؟ ولماذا ينشط وئام وهاب في زرع الفتنة بين الأخوين؟ داعما هذا بكل ما أوتي من قوة! ومحاولاً النيل من تاريخ سعد الحريري بذات القوة كما أعلن ذلك بشكل صريح وواضح.تلامس هذه التساؤلات عين المنطق، فيما تفرز المحاولات على الإجابة عليها أسئلة أخرى، يصعب فك رموزها من جهة، وتبدو الإجابات جلية واضحة من جهة أخرى، ما يضعنا امام إحدى مسرحيات شكسبير.بينما تجد “وهاب” أمام مدرّسيه ومشغّليه يلقي على مسامعهم مقطعاً من “كتاب الأمير” (للراحل ميكافيللي) الخالد في أذهان هؤلاء وتصرفاتهم.ونعود للشيخ بهاء الذي بدل أن يقدم نفسه وعلاقاته وخبراته قرباناً لرفيق الحريري عبر شدّه لعضد أخيه، حفاظاً على إستمرار إرث أبيه، قرر أن يقدم أخاه قرباناً لبعض القوى اللبنانية، وللدول المُمسكة بقرار هذه الأحزاب والقوى.فما كان منه إلا أن أصدر فرماناً سلطانياً يبشر فيه بأنه المخلص القادم بـ “عهد نيروزي” لشعب مقهور يبحث عن إمام عادل يصلي خلفه ويسترجع حقه وينقله إلى بر الأمان، ولم يلحظ أن فرمان الإمام العادل كان أشبه بفرمانٍ لعادل إمام .هكذا قرر بهاء الحريري الدخول في معترك الحياة السياسية في لبنان، عبر التسلق على أنقاضٍ تراكمت من أخطاء التيار الأزرق والتي لا ينكرها أحد ولا حتى سعد الحريري نفسه.سؤال وجيه يراود قريحتي السياسية، يطل من ثنايا آيات قرانية، ملخصه كالتالي: من أرسل وهاب إلى بهاء يؤُزُّهُ أزاً ؟!!من الغباء الدخول بين الأخ وأخيه، ولكن الغباء الأكبر هو دخول الأخ لمحو أخيه عبر التشهير به علناً، وإستخدام بعض المرتزقة ليكونوا “المناصرين” في وجه أخيه.فقد كثرت المحاولات الحثيثة والعمل التنظيمي السري الذي كبّد بهاء الحريري الكثير من العناء، للإطاحة بزعامة أخيه، فتارةً يدعم بعض المنشقين عن تيار المستقبل، وتارةً أخرى يدعم منتديات هشّة محشوة ببعض الناشطين الذين امتهنوا الإرتزاق، الراقصين بين لحظة و أخرى على هذه الكفة أو تلك، ملمحاً بالظهور العلني في الشارع السياسي اللبناني، ليجسّ نبض الشارع، فإذا لمس رفضاً عاد وانكفأ وراء بعض المطبلين الذين يأكلون مع كلّ ذئب و يبكون مع كلّ راعٍ.فبعد كل تلك المساعي المحفوفة بالغموض و التشويق يطل علينا بهاء الحريري واضعاً عهدة الكلام والإستشارة بأيادٍ لم نكن نتوقع يوماً أن تكون هي عرّابة أعماله، أو الناطقة باسم مكاتبه ومنتدياته.لكن ما يعنينا قوله، ليتك يا بهاء خرجت بالنتيجة التي أملنا أن تكون على قدر التشويق، كُنا قد رسمنا لك في أذهاننا صورة زيتية فاخرة، بأنك المخلص لأخيك والمكمل لمشروع رفيق الحريري. وما درينا أنّ خروجك من وراء جدران المراقبة طوال تلك السنوات سيكون بتلك السخافة وبهذا الإخراج الهش والسيناريو المرتبك! لقد حقّ عليك المثل القائل : تمخّضَ الجبل فولد فأراً !لذلك فإن هناك أسئلة أخرى قد اختمرت في أذهان اللبنانيينأين كان بهاء الحريري أثناء محنة سعد الحريري والتي سبقتها وتلتها مِحَنٌ تترى ؟ أين كان بهاء من اللبنانيين اليوم؟ ولماذا انتظر حتى الرمق الأخير من تاريخ لبنان الحديث، لينقض على ما بناه أخوه ، خلال عقد ونصف من الزمن ليظهر بصورة المخلص؟ الم يتعلم بهاء الحريري أن في الإتحاد قوة؟ الم يتعلم بهاء الحريري من آل كرامي كيف أدى نزاع الأخوة وأبناء الأخوة إلى ضياع إرث عبد الحميد ورشيد كرامي؟؟ألم يتساءل بهاء الحريري لماذا وُضع على فوهة مدفع يقصف على مستقبل “تيار المستقبل” بدعم عربي معروف، أم أن القرار العربي ومن خلفه أقوى من رابط الدم؟ اليوم الحريرية السياسية في خطر يا بهاء وخطرها هو أنت اليوم مستقبل “تاريخ رفيق الحريري” مهدد منك يا بهاء فلا تكن “كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا”.ولكن.. كن انت السند لأخيك وإن كنت ترى إعوجاجاً فقومه، ولتكن قوتك بأخيك وقوته بك، لا تكن قوياً على أخيك بقوة ليست منك، إذ لا مستقبل بها ولا فلاح. رفيق الحريري كان “أبا بهاء” فلا تجعل إسماً إرتبط برفيق الحريري وسيبقى، سبباً بضياع ذاك الإسم.

محمد طه صابونجي

رئيس تحرير موقع قلم سياسي ماجستير صحافة و إعلام عضو بيت الإعلاميين العرب في تركيا آرائي تعنيني ولا تُلزِمك فإما أن تقرأ وتناقش مع مراعاة أدب النقاش البناء أو لا تعلق

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق