
مع أن المصادفة وحدها شاءت لأصوات الدولة أن تنطلق بتوقيت واحد متزامن بين قصر بعبدا ودبي، على ألسنة رئيس الجمهورية جوزف عون ورئيس الحكومة نواف سلام ونائب رئيس مجلس الوزراء طارق متري، فإنها عكست “اشتداد” عصب الدولة أكثر فأكثر في مواجهة أي انزلاق انتحاري جديد قد يستدرج عبره “حزب الله” إسرائيل إلى حرب جديدة عليه وعلى لبنان. وإذ أجمعت المواقف البارزة الجديدة لكبار المسؤولين على التمسك من دون هوادة ومن دون أي تراجع بحصرية السلاح في يد الدولة على سائر الاراضي اللبنانية ورفض استدراج لبنان إلى أي مغامرة حربية جديدة، جاء إطلاق هذه المواقف قبيل ساعات قليلة من كلمة للأمين العام لـ”حزب الله” الشيخ نعيم قاسم كرّر فيها معزوفات الحزب، ولو تحاشى فيها التطرق مباشرة إلى مكابرة الحزب حول شمال الليطاني، ليشكل دلالة سياسية ورمزية بالغة الأهمية حيال الجواب الذي سمعه الحزب وأمينه العام استباقياً، وهو الموقف التحذيري الرافض لأي ترجمة لموقف الحزب من الدفاع عن إيران انطلاقاً من الأراضي اللبنانية. وثمة معطيات خلف الكواليس تتحدث عن إبلاغ الدولة مباشرة للحزب هذا التحذير وإفهامه بأن ثمة إجماعاً لا سابق له في لبنان على رفض استرهان الحزب للبنان واللبنانيين بأي مغامرة قاتلة جديدة، ناهيك عما ينتظر أن يتبلغه لبنان من سائر الدول التي تعنى بوضعه من تحذيرات حيال هذا الخطر. وتقول المعطيات إن الزيارة التي يزمع القيام بها وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو لبيروت في نهاية الأسبوع الحالي ستكتسب أهمية مزدوجة لجهة الهدفين اللذين دفعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى الطلب من وزير خارجيته إدراج لبنان ضمن جولة محدودة على بعض بلدان المنطقة، وهما: دفع التحضيرات قدماً لانعقاد مؤتمر دعم الجيش اللبناني في آذار المقبل في باريس، والتحذير من زجّ لبنان في أي معترك حربي جديد في حال نشوب مواجهة عسكرية بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران.
كما أن هذه الاجواء اكتسبت مزيداً من الأهمية في ظل “اليوم اللبناني الطويل” في واشنطن، حيث أجرى قائد الجيش العماد رودولف هيكل سلسلة لقاءات عسكرية وأمنية في البنتاغون أعقبتها لقاءات مع ممثلين للحزبين الجمهوري والديموقراطي في الكونغرس. ولعل المفارقة اللافتة تمثلت في تزامن لقاءات هيكل مع انعقاد جلسة استماع في الكونغرس الأميركي تحت عنوان: “السياسة الأميركية تجاه لبنان: العقبات أمام تفكيك قبضة حزب الله على السلطة”. وكانت كلمات في الجلسة لنواب ومسؤولين سابقين من أبرزهم النائب الأميركي مايك لولر الذي تحدث عن فرصة تاريخية لإضعاف نفوذ حزب الله، وديفيد شينكر الذي حذّر من استمرار التهديد الذي يمثله حزب الله، داعياً إلى ربط الدعم الأميركي للجيش بتقدم فعلي ضد نفوذ الحزب، ونائبة وزير الدفاع الأميركي لشؤون الشرق الأوسط سابقاً دانا سترول، التي دعت إلى ربط دعم الجيش بالأداء والشفافية وإلى التدخل سياسياً لدعم انتخابات تنتج طبقة سياسية مختلفة. وشددت الصحافية اللبنانية حنين غدار على أن معركة واشنطن مع حزب الله لم تعد فقط أمنية بل يجب أن تشمل شبكاته المالية والاقتصادية.
أما المواقف الرسمية التي تعاقب اطلاقها أمس، فتمثلت في تأكيد الرئيس عون أن “عودة ثقة دول الخارج بلبنان ودعمها هما نتيجة طبيعية لما يقوم به لبنان حالياً من إعادة بناء الدولة على أسس ثابتة لجهة بسط سلطة القانون وتطبيق حصرية السلاح، وهما أمران لا رجوع عنهما مهما كانت الاعتبارات ونعمل على تحقيقهما بعقلانية وواقعية ومسؤولية في آن، ولن يكون من الوارد التوقف عن تنفيذ ما تعهدت به في خطاب القسم الذي لقي في الداخل والخارج تأييداً يحمّلني مسؤولية كبيرة في أن أكون وفياً له”. ولفت إلى أنه “عمل ولا يزال يعمل مع جميع المعنيين لعدم استدراج البلاد إلى حرب جديدة لأن الشعب اللبناني لم يعد قادراً على تحمّل حروب جديدة من جهة، ولأن الظروف الدولية أوجدت معطيات لا بد من مقاربتها بواقعية ومنطق لحماية لبنان وأهله”.
ومن دبي، أكد الرئيس نواف سلام بدوره “أنّ استعادة السيادة ليست شعارًا سياسيًا بل مسارًا عمليًا يرتبط مباشرة بالأمن والاستقرار وبناء الدولة”. وخلال جلسة حوارية ضمن فعاليات القمة العالمية للحكومات، قال سلام: “عملنا على استعادة قرار السلم والحرب، والدليل أنّه للمرة الأولى منذ عام 1969 باتت الدولة عبر الجيش تفرض سيطرة عملانية كاملة على جنوب البلاد ولن نسمح بإدخال لبنان في مغامرة جديدة، علماً أن كلفة الدخول في مغامرة حرب إسناد غزة كانت كبيرة جدّاً. علينا أن نُحصّن أنفسنا من خلال التفافنا حول الدّولة وعدم إدخال لبنان في مغامرات لا دخل له فيها”. وقال: “نتمنى من الإخوة العرب المشاركة في مؤتمر دعم القوات العسكرية اللبنانية في باريس، فنحن بحاجة إلى دعمهم”.
وفي سياق مماثل، أشار نائب رئيس الوزراء طارق متري إلى أنّ “حزب الله يرفض تسليم السلاح في شمال الليطاني”، مؤكدًا أن “الدولة ماضية بحصر السلاح في كل البلاد ولن تتراجع عنه”. وقال: “إنّنا نرفض إدخال البلد بأي حرب إقليمية أو تحويله ساحة لحرب الآخرين ونأمل أن يكون حزب الله عاقلاً هذه المرة أيضاً بحال شن حرب ضد طهران”.
في المقابل، انبرى الشيخ نعيم قاسم إلى تكرار تبريرات حزبه للتهجم على الدولة وسائر الأطراف المناهضين لواقعه، فاعتبر أن “من يقف مع العدو كي يضغط علينا للاستسلام لا يتصرف من موقع وطني”. وقال: “إننا حاضرون في حزب الله لمناقشة كيفية مواجهة هذا العدو مع من يؤمن بالمقاومة، ولم يعد مطلوبًا من لبنان أي شيء بما يتعلق بالاتفاق وعلى الخماسية أن تطالب إسرائيل بتنفيذه لا الضغط على لبنان. وطلبوا منّا بعد إعلان قيادة الجيش إصدار بيان بإنهاء وجودنا جنوب الليطاني يريدون أخذ أي كلمةٍ منا بينما لم يطلبوا شيئًا من إسرائيل”.
وهاجم قاسم “القوات اللبنانية ” من دون تسميتها، فقال: “وزراؤنا يعملون لكل لبنان بينما بعض الوزراء في الحكومة يجرّون لبنان إلى الفتنة ويغرقونه في العتمة ويتصرفون بطريقة كأن الحكومة ورقة بيد الحزب الذين يعملون لديه. في ظل هذا الوضع الصعب نحن نعمل على بناء الدولة، ساهمنا بانتخاب الرئيس وتشكيل الحكومة. والبعض لا يريد بناء الدولة بل يريد التشفي والانتقام ويواجهوننا بالشتائم والاهانات”.



