نواب طرابلس وحلم التجديد النيابي فوق ركام الأبنية المنهارة

كتب الصحافي مصطفى عبيد لقلم سياسي،
من دون أي تمهيد أو خجل، طفا إلى سطح اهتمامات نواب طرابلس ملف الأبنية المهددة بالانهيار، ملف قديم قِدم الإهمال، ومزمن بقدر الفقر الذي ينهش المدينة، لكنه لم يصبح “طارئاً” إلا حين اقتربت الانتخابات، فتحولت قصة أليسار إلى مادة تستحق أن تتحول إلى برنامج انتخابي، وكأن المأساة لا تستحق الالتفات إليها إلا إذا كانت صالحة للاستثمار السياسي. تماماً كما يقول المثل: “مصائب قومٍ عند قومٍ فوائد”.
اليوم، ولصدفة الفاجعة يكاد هذا الملف يتحوّل إلى العمود الفقري في البرامج الانتخابية لمعظم نواب طرابلس، أولئك الذين يحلمون بأن يتحول ركام الأبنية التي انهارت، أو التي تنتظر دورها للانهيار، إلى جسر عبورٍ آمن نحو ست سنوات جديدة في المجلس النيابي، مجلس لم يكن حضورهم فيه أكثر من رقم يكتمل به النصاب، حين يدعوهم أسياد القرار لتمرير قوانين وموازنات لم ترَ طرابلس منها يوماً سوى العناوين العريضة والوعود الفارغة.
من فيصل كرامي، إلى طه ناجي، إلى إيهاب مطر، إلى عبد الكريم كبارة، وغيرهم كثير من أسماء تتناوب على المنابر، وتتنقل بين الأحياء المنكوبة، بعضهم في جولات انتخابية مبكرة، وبعضهم الآخر في محاولات مكشوفة لوراثة الكرسي النيابي كما تُورَّث الأملاك والعقارات، مشهد واحد يتكرر: صور، تصريحات، تعاطف أمام الكاميرا، ثم عودة سريعة إلى الصمت المريب.
ولا يمكن في هذا السياق أيضاً تجاهل نجيب ميقاتي، الملياردير الذي كلما تضخّمت ثروته بالأموال والأملاك، غرقت طرابلس أكثر في الفقر والعوز والإهمال، مدينة تزداد انهياراً عمرانياً واجتماعياً، فيما من يُفترض أنهم ممثلوها يزدادون نفوذاً وغنىً وبعداً عنها.
جميع هؤلاء سيعتلون المنابر قريباً، سيترأسون الاجتماعات، وسيتحدثون بلهجة الخبير الحريص عن “خطر الأبنية المهددة بالانهيار”، وكأنهم اكتشفوا المشكلة بالأمس، سيتباكون على الضحايا، وسيطالبون بخطط عاجلة، وربما سيضغطون إعلامياً لتشكيل لجان وكشفات هندسية، لكن الحقيقة الأقسى، والتي لا يجرؤ أحد على قولها، أن بعضهم ربما لا يمانع كارثة جديدة، وضحايا جدد، طالما أن الدم والركام يرفعان أسهمهم الانتخابية مع اقتراب الاستحقاق النيابي.
والأخطر من كل ذلك، أن يصدقهم أهل طرابلس مرة أخرى.. أن يُعاد إنتاج نفس الطبقة السياسية، بذريعة الخوف، أو بدافع اليأس، أو طمعاً بمئة دولار أو “كرتونة” مواد غذائية لا تُسمن ولا تُغني من جوع، أن تُختزل كرامة مدينة كاملة بثمن وجبة، وأن يُختصر مستقبلها بصورة سيلفي مع نائب لم يظهر إلا حين صار السقف مهدداً بالسقوط.
طرابلس لا تحتاج نواب كوارث، بل نواب مسؤولية، لا تحتاج من يتاجر بالموت، بل من يمنع وقوعه، وكل صوت يُمنح لمن استثمر يوماً في الإهمال، هو حجر إضافي يُرمى على ما تبقى من هذه المدينة المنهكة



