
حبس أنفاس على مستوى العالم يصاحب عاصفة الاحتمالات التي تحوط بالجبهة الإيرانية، والمناخ الحربي الذي تفرضه التكهنات الدراماتيكية المتراكمة إقليمياً ودولياً، ومسارعة العديد من الدول إلى دعوة رعاياها إلى مغادرة ايران، بالتزامن مع ارتفاع نبرة التهديدات المتبادلة بين واشنطن وتل أبيب وطهران، بما ينذر بأنّ اشتعال هذه الجبهة بات وشيكاً. والأجواء الإقليمية والدولية تقارب ما يُحكى عن ضربة أميركية لإيران بأنّها مسألة وقت. ولبنان في موازاة هذه الأجواء المتوترة، محبوس في ما يبدو انّه مثلث القلق، من تداعيات الحدث الإيراني إن انحدر إلى انفجار عسكري، ومن العدوان الإسرائيلي المتواصل بلا أيّ روادع تكبح نسف إسرائيل لاتفاق وقف الأعمال العدائية، واستباحتها الأرجاء اللبنانية، ومن ضغط الملفات الخلافية المتراكمة الضاغطة على كل مفاصله السياسية وغير السياسية، وأكثرها سخونة ملف سلاح «حزب الله»، الذي بدأ ينحى إلى غليان سجالي داخلي محتدم حوله، بين منطق يقول بضرورته ويرفض التخلّي عنه، وبين منطق آخر يقول بانتفاء صلاحيته ويستعجل سحبه، ليس فقط من منطقة جنوب الليطاني بل من كل لبنان.
سباق
مشهد المنطقة ربطاً بالملف الإيراني، وما قد يستجد فيها من تطورات سواء على المستوى العسكري او المستوى التفاوضي، يفترض أن يتبلور في الأيام أو الأسابيع المقبلة، والصورة حاليّاً، كما يلخصّها ديبلوماسي غربي كبير لـ«الجمهورية»، تنطوي على «سباق سريع الوتيرة بين التحضيرات العسكرية والحراكات الديبلوماسية، لاحتواء التصعيد قبل حصوله»، مضيفاً: «إنّ المرحلة حرجة، وحتى الآن ليس في الإمكان الحديث عن أيّ مؤشرات إلى أنّ محاولات الوساطات لخفض التوتر، أقوى من احتمالات التدهور والتصعيد، ولكن هذا لا ينفي وجود مساحة قائمة لحركة الوسطاء».
واستدرك الديبلوماسي عينه قائلاً: «دول الجوار الإيراني تشعر بقلق بالغ، وخصوصاً من ارتفاع التهديدات إلى وتيرة غير مسبوقة، وتحديداً من جانب إيران، وايضاً من تراكم التقديرات من مستويات عسكرية متعددة عن مرحلة حربية (أميركية – إسرائيلية) مع إيران أكثر عنفاً واوسع نطاقاً ممّا كانت عليه حرب الـ12 يوماً في حزيران الفائت».
وماذا عن التداعيات؟ يجيب الديبلوماسي الغربي: «ما من شك أنّ الوضع في منطقة الشرق الأوسط، كما سبق وقلت حرج جدّا، ومساحة التعقيدات واسعة جداً بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، وكذلك بين إسرائيل وايران، وتبعاً لذلك، لا أحد يستطيع أن يتنبأ بمجرى الأمور، أو بتحديد مساحة التداعيات إنْ حصل انفجار».
يُشار في هذا السياق، انّه إلى جانب دعوة بعض الدول رعاياها إلى مغادرة ايران، برزت امس، دعوة السفارة الأميركية في السعودية رعاياها في المملكة إلى توخي المزيد من الحذر، وإعلان مكتب الإعلام الدولي في قطر عن «مغادرة أفراد لقاعدة العديد الاميركية، وذلك ضمن الإجراءات المتخذة وسط التوترات في المنطقة»، وقال المكتب إنّ «قطر تواصل اتخاذ الإجراءات لضمان أمن وسلامة مواطنيها والمقيمين على أراضيها». وفي وقت سابق أمس، أكّد ثلاثة ديبلوماسيين لـ«رويترز» أنّ بعض الأفراد تلقّوا نصيحة بمغادرة قاعدة العديد الجوية التابعة للجيش الأميركي في قطر بحلول مساء الاربعاء، وذلك في ظل تحذيرات من واشنطن باحتمال التدخّل العسكري في إيران، على خلفية الاحتجاجات التي تشهدها البلاد». كما ذكرت «رويترز» انّ بريطانيا سحبت افرادها من القواعد العسكرية في قطر. ونقلت في الوقت ذاته عن مسؤولين اوروبيين قولهما «انّ التدخّل العسكري الأميركي بات مرجحاً»، واشار احدهما إلى انّه قد يحدث خلال الاربع والعشرين ساعة المقبلة. كما ذكرت انّ مسؤولاً إسرائيلياً اوضح انّ ترامب اتخذ على ما يبدو، قراراً بالتدخّل الّا انّ نطاقه وتوقيته لم يتضحا.
ولفت ما نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية نقلاً عن مسؤولين في البنتاغون «انّ البحرية الأميركية تمتلك حالياً ثلاث مدمّرات قادرة على إطلاق الصواريخ في منطقة الشرق الاوسط، ومن بينها المدمّرة «روزفلت» التي أبحرت في الايام الاخيرة إلى البحر الاحمر. كما تملك إلى جانب ذلك، غواصة واحدة على الاقل قادرة على إطلاق الصواريخ في المنطقة».
واشارت الصحيفة إلى انّ البنتاغون قدّم مجموعة واسعة من الخيارات إلى الرئيس الاميركي دونالد ترامب لتوجيه ضربة عسكرية إلى ايران على خلفية الاحتجاجات في البلاد، في وقت حذّرت فيه سلطات إيران من أي عمل عسكري».
وفي إجراء لافت ايضاً، ذكر موقع «ارم نيوز»، نقلاً عن مصادر عراقية مطلعة قولها «إنّ نشاطاً جوياً أميركياً غير اعتيادي سُجّل خلال الساعات الماضية فوق عدد من المحافظات العراقية، تزامناً مع مؤشرات إقليمية متصاعدة تتحدث عن اقتراب مرحلة «القرار العسكري» ضدّ إيران».
في سياق متصل، نقلت وكالة «رويترز» عن مصدر مقرّب من «حزب الله» قوله «إنّ دبلوماسيين سعوا للحصول على ضمانات من الحزب بأنّه لن يتخذ أي إجراء إذا تعرّضت إيران لهجوم»، وقال المصدر «إنّ الحزب لم يقدّم ضمانات».
مؤتمر دعم الجيش
داخلياً، ازدحمت الأجواء الداخلية، بحركة مكثفة للزوار، حيث حطّ رئيس الوزراء الاردني جعفر حسان في بيروت، وسبقه الموفد الرئاسي الفرنسي جان ايف لودريان، وكذلك الموفد السعودي يزيد بن فرحان، بالتزامن مع إطلاق اللجنة الخماسية لحراك ملحوظ في الساعات الماضية، بدأ قبل يومين بزيارة قام بها سفراء دولها؛ الأميركي ميشال عيسى، والسعودي وليد البخاري، والفرنسي هيرفيه ماغرو، والقطري محمد بن عبد الرحمن ال ثاني والمصري علاء موسى إلى السراي الحكومي، حيث التقوا رئيس الحكومة نواف سلام. واستُكمل أمس، بزيارة السفراء القصر الجمهوري في بعبدا برفقة الموفد السعودي يزيد بن فرحان، والموفد الفرنسي لودريان، حيث عقد اجتماع ترأسه رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون. وخلص الاجتماع إلى تحديد الخامس من شهر آذار المقبل موعداً لعقد مؤتمر دعم الجيش والقوى الامنية اللبنانية في باريس، على ان يفتتحه الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون. كما تمّ الاتفاق على إطلاق حركة اتصالات مكثفة لتأمين اوسع مشاركة ممكنة في المؤتمر. ورجحت بعض المعلومات أن يسبق المؤتمر اجتماع تحضيري في الدوحة منتصف الشهر المقبل.
وبحسب المعلومات، فإنّ اجتماع بعبدا، سبقته مشاورات مكثفة على الخطوط الديبلوماسية التابعة لدول الخماسية، أفضت إلى اشراك السفيرين القطري والمصري في اجتماع بعبدا، بعدما كان مقرراً سابقاً اقتصار الحراك على السفراء الاميركي والفرنسي والسعودي. كما تحدثت المعلومات عن مشاورات ثنائية بين بن فرحان ولودريان خلال لقاء صباحي جمعهما في دارة السفير السعودي. وكذلك مشاورات مباشرة بين الموفدين وقيادة الجيش. حيث عُقد في اليرزة اجتماع بين قائد الجيش العماد رودولف هيكل وأعضاء القيادة، وبين سفراء الخماسية في حضور بن فرحان ولودريان، جرى خلاله البحث في تطورات الاوضاع في لبنان والتحضيرات الحالية لانعقاد مؤتمر دعم الجيش في باريس.
بيان السفارة
وفي بيان لها، أعلنت السفارة الفرنسية في بيروت مساء أمس، أنّه تم الاتفاق في الاجتماع، بموافقة الرئيس عون، على «عقد مؤتمر دولي لدعم الجيش اللبناني والقوى الأمنية في باريس بتاريخ 5 آذار 2026». وأشارت إلى أنه تم التشديد على أن «دعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي يُعدّ أمراً أساسياً لاستعادة سلطة الدولة، والحفاظ على الوحدة الوطنية، وتهيئة الظروف اللازمة لتحقيق استقرار دائم في لبنان والمنطقة ككل». كما جرى التأكيد على «أهمية التنفيذ السريع لخطة الجيش اللبناني الهادفة إلى تكريس حصريّة السلاح بيد الدولة في جميع أنحاء البلاد، إضافة إلى تنفيذ إتفاق الطائف».
المهمّ الترجمة
إلى ذلك، لفتت مصادر متابعة لـ«الجمهورية»، إلى الحماسة الكبيرة التي أبداها المجتمعون في بعبدا، لعقد هذا المؤتمر، والإجماع على أهميته في هذه المرحلة، التي يبذل فيها لبنان جهوداً كبرى للتعافي وبسط سلطة الدولة على كامل اراضيها، وتنفيذ قرار الحكومة بحصرية السلاح، حيث قام الجيش اللبناني بدور مشهود له في هذا المجال في منطقة جنوب الليطاني.
ورداً على سؤال لـ«الجمهورية» حول مؤتمر الدعم، قال مسؤول رفيع: «ما من شك أنّ انعقاد المؤتمر، يأتي ترجمة لمبادرة اطلقها الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون، ويعكس بالدرجة الاولى اهتمام باريس والدول الصديقة بلبنان، والوقوف إلى جانبه ودعمه للخروج من أزمته، وبالتالي فإنّ انعقاد المؤتمر، في هذا التوقيت بالذات، ضرورة كبرى للبنان، وفرصة للدول الصديقة لترجمة هذا الدعم، بخطوات ملموسة تلبّي متطلبات الجيش من عتاد وتجهيزات واحتياجات تمكّنه من أداء المهام المناطة به، أكان لناحية تنفيذ قرار حصر السلاح، او ترسيخ الأمن والاستقرار في كل لبنان وعلى امتداد الحدود الدولية».
ولفت المسؤول عينه إلى انّ «العبرة ليست في انعقاد المؤتمر بحدّ ذاته، بل تبقى في تنفيذ الالتزامات والتعهدات. فلبنان تقدّم إلى كل الاصدقاء والأشقاء بطلب المساعدة، والمهمّ بالنسبة اليه، ليس مواقف الدعم وقطع الالتزامات العلنية بالمساعدة، وما كان اكثرها في فترات سابقة، من دون ان ترقى إلى الإيفاء بها بخطوات ملموسة، بل المهمّ، خصوصاً في هذه الظروف، هي ترجمة المواقف والالتزامات، بمساعدات ملموسة للمؤسسة العسكرية ولسائر القوى الأمنية، ودون ذلك سنبقى نراوح في ما نعانيه اليوم من تخبّط وقدرة ضعيفة دون المستوى المطلوب أمام التحدّيات الكبرى الماثلة أمامنا».
عند بري
في سياق متصل، زار لودريان ممثلاً «الخماسية» رئيس مجلس النواب نبيه بري في مقر الرئاسة الثانية في عين التينة، ورافقه السفير الفرنسي. وعُقد اجتماع حضره مستشارا رئيس المجلس الدكتور محمود بري وعلي حمدان. وتناول البحث تطورات الأوضاع في لبنان والمنطقة إضافة إلى مؤتمر دعم الجيش الذي تقرّر عقده في باريس في آذار المقبل.
ونوّه الرئيس بري بالجهود الفرنسية وبجهود كافة الدول الداعمة للبنان وجيشه الذي أنجز ما هو مطلوب منه، مجدداً التأكيد على أنّ لبنان التزم، وملتزم، بالقرار 1701 وباتفاق تشرين الثاني عام 2024، مؤكّداً أنّه لا يجوز إستمرار إسرائيل بعدوانها على لبنان وخرقها اليومي للسيادة اللبنانية وباستمرار احتلالها لأجزاء من الأراضي اللبنانية في الجنوب.
إلى ذلك، كشفت مصادر سياسية مواكبة لحركة الزوار لـ«الجمهورية»، أنّ الموفدين عكسوا ما سُمّيت بالتطورات المقلقة على الساحتين الدولية والاقليمية، وربطاً بذلك، قرنوا تأكيدهم الحرص على لبنان والتنويه بتوجّهات الدولة اللبنانية، بالتشديد على الحاجة الضرورية للبنان في هذه الظروف، إلى كل الخطوات والإجراءات التي تعزز أمنه واستقراره، وتبقيه بمنأى عن أيّ توترات، مع إعطاء الأولوية القصوى في هذه المرحلة، لاستكمال الخطوات التنفيذية للمراحل التالية المرتبطة بقرار الحكومة بحصر السلاح، وضرورة استجابة جميع الاطراف لهذه الخطوات وتسهيل مهمّة الجيش اللبناني دون اي تعقيدات او مداخلات».
على صعيد أمني متصل، نقلت قناة «الجزيرة» عن مصدر عسكري لبناني قوله «إنّ الجيش يقيّم الواقع بين نهري الأولي والليطاني من الناحية اللوجستية»، لافتاً الى أنّه «بناءً على التقييم سيضع الجيش تصوراً للمرحلة الثانية لحصر السلاح». وشدّد على «وجوب تزامن الجهد العسكري بالمرحلة 2 مع جهود سياسية واجتماعية واقتصادية»، لافتاً الى أنّ «اعتداءات إسرائيل وعدم تعاون بيئة «حزب الله» قد يعرقلان تنفيذ المرحلة الثانية».
وقال: «المرحلة الثانية من حصر السلاح تستوجب توافقات وطنية وتوفير مساعدات، وإذا لم يتوفر بديل لليونيفيل فقد نشهد احتكاكات بين جيشي لبنان وإسرائيل». وذكر أنّ «الجيش يحتاج إلى تجنيد 4 آلاف فرد بعد انسحاب قوات اليونيفيل، ونحن عززنا حواجزنا في كل المناطق لمنع نقل السلاح شمال الليطاني ونصادر ما نعثر عليه».
وكشف من جهة ثانية، أنّه «أوقفنا ضباطاً من النظام السوري السابق ولم تُظهر التحقيقات أنّهم يعدّون لتحركات».
22 اتفاقية
على الصعيد الحكومي، انعقدت اللجنة العليا المشتركة اللبنانية- الاردنية في السراي الحكومي امس، في حضور رئيس الحكومة نواف سلام ورئيس الوزراء الاردني جعفر حسان، وتمّ التوقيع في نهاية اعمالها على 22 اتفاقية ومذكرة تفاهم.
وأعقب ذلك مؤتمر صحافي مشترك، شدّد خلاله رئيس الوزراء الاردني على أنّ «لبنان قادر على استعادة دوره الحضاريّ في المنطقة، وسنبقى السند له دائمًا ووقوفنا ثابت». وقال: «سنطور علاقتنا وستشهد المرحلة المقبلة مزيدًا من التعاون المؤسسي، ووقّعنا اتفاقيات شملت مختلف مجالات التعاون ونأمل بمضاعفة التبادل التجاري في المرحلة المقبلة». وأشاد «بجهود الحكومة اللبنانية وما بذلته من جهد رغم كل التحدّيات التي يمرّ فيها لبنان»، ودعا إلى «تثبيت وقف إطلاق النار في غزة، ونهدف إلى تحقيق السلام العادل والشامل على أساس حل الدولتين».
اما الرئيس سلام فقال: إنّ «زيارة نظيري الأردنيّ جعفر حسان تمثّل فرصة حقيقية لإعادة توجيه البوصلة نحو سياسة تعيد بناء الدولة، ونذكّر بأنّ هذا المسار لم يبدأ اليوم إذ زرتُ الأردن سابقًا». واكّد انّ «العلاقة بين الأردن ولبنان ثابتة وليست موسمية، واجتماعنا اليوم كان بنّاءً من حيث بحثنا في النقل والاستثمار والتعليم والصحة والاعلام والاقتصاد الرقميّ والأمن، ووقّعنا مجموعة كبيرة من مذكرات التفاهم»، وأشار إلى «أننا اتفقنا على مواصلة التنسيق وضمان التطبيق العملي لما تمّ الاتفاق عليه».


